تسببت الإجراءات الإسرائيلية في تراجع أنشطة الاقتصاد في الضفة الغربية بشكل غير مسبوق، ففي وقت لا يتجاوز فيه عدد المتاجر الإلكترونية المرخصة رسميا في فلسطين 31 متجرا فقط، مقابل أكثر من 30 ألف وحدة تجارية تنشط عبر الإنترنت، ومع حركة نقل يومية تقدر بنحو 50 ألف طرد بين الضفة وداخل أراضي الـ48، تبرز ظاهرة بيع "طرود المرتجعات" كإحدى الممارسات المثيرة للجدل، والتي تفتح الباب أمام تساؤلات حول تنظيم السوق، وحماية المستهلك، وأخلاقيات البيع.
ويقول الخبير في التجارة الإلكترونية شعيب زاهدة في حديث خاص لـ"الاقتصادي"، إن هذه التجارة ما تزال محدودة نسبيا، لكنها قد تتحول إلى قطاع قائم بذاته، على غرار تجارة "البالة" والسلع المستعملة، خاصة مع توسع خدمات التوصيل وانتشار التسوق الإلكتروني في فلسطين.
من أين تأتي "طرود المرتجعات"؟
يوضح زاهدة أن مصدر هذه الطرود يعود في كثير من الأحيان إلى عمليات التوصيل نفسها، حيث يتم إرجاع بعض الطلبات نتيجة تأخر التسليم، أو رفض المستلم استلامها، أو حدوث خلل في الطلب. وفي هذه الحالات، تبلغ شركة التوصيل التاجر بوجود مشكلة، إلا أن بعض التجار يرفضون استلام البضاعة مجددا، معتبرين أنهم أتمّوا عملية البيع.
كما قد تتعرض بعض المنتجات للتلف أثناء النقل، أو تكون تالفة أصلا من المصدر، ما يخلق إشكالية في تحديد المسؤولية بين التاجر وشركة التوصيل. وفي ظل ذلك، تلجأ بعض شركات التوصيل إلى شراء هذه المنتجات بأسعار مخفضة لتقليل خسائرها، أو بيعها لاحقا لتجار آخرين.
سوق غير معلن… وصفقات بالجملة
بحسب زاهدة، لا تعلن شركات التوصيل عادة عن بيع هذه البضائع، لكنها تمتلك مخازن تحتوي على كميات من المنتجات المرتجعة أو التالفة. ويأتي تجار لشراء هذه الكميات بالجملة، حيث قد تصل قيمة الصفقة إلى 20 أو 30 ألف شيكل، في إطار مفاوضات تعتمد على جودة البضاعة، بين ما هو صالح للبيع وما يحتاج إلى إصلاح.
ويشبه زاهدة هذه الآلية بتجارة "المسكر" في البالة، حيث يتم شراء كميات مغلقة دون معرفة محتواها، ليكون الربح أو الخسارة مرهونا بالحظ وجودة الفرز.
بين الجودة والغش: دور التاجر الحاسم
يشير زاهدة إلى أن نوعية البضائع في هذه الطرود متفاوتة، فقد تشمل أجهزة كهربائية، وألعاب أطفال، وأحذية، ومنتجات أصلية أو مقلدة، بعضها بحالة جيدة جدا، وأخرى تالفة أو متضررة.
ويؤكد أن العامل الحاسم في هذه التجارة هو "أخلاق التاجر"، إذ يقوم بعضهم بفرز البضائع وإصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم بيعها على أنها جديدة، رغم وجود عيوب بسيطة أو أضرار غير معلنة، ما يفتح الباب أمام ممارسات تضليلية.
فوضى تنظيمية وأرقام مقلقة
في سياق التنظيم، يلفت زاهدة إلى أن قانون التجارة الإلكترونية دخل حيز التنفيذ أواخر يناير الماضي، مع منح مهلة 6 أشهر لتصويب الأوضاع، إلا أن عدد المتاجر التي حصلت على ترخيص رسمي حتى الآن لا يتجاوز 31 متجرا فقط حسب ما ورد على موقع وزارة الاقتصاد الوطني.
ويضيف أن عدد الأنشطة التجارية الإلكترونية يتجاوز 30 ألفا، ما يعكس فجوة كبيرة بين الواقع والتنظيم، في ظل وجود نحو 45 إلى 50 شركة توصيل مرخصة، إلى جانب عدد مماثل أو أكبر يعمل دون ترخيص.
تقديرات: من 50 إلى 60 قطعة تالفة يوميا
استنادا إلى حجم العمل اليومي لشركات التوصيل، والذي يقدر بنحو 50 ألف طرد يوميا، يقدّر زاهدة أنه حتى مع نسبة تلف منخفضة (1 بالألف)، فإن عدد القطع التالفة أو المرتجعة قد يصل إلى 50–60 قطعة يوميا، أي ما بين 1000 إلى 1500 قطعة شهريا، ما يشكل مصدرا مستمرا لهذه السوق.
بين "الصفقة" والمخاطرة
يرى زاهدة أن المشكلة لا تكمن فقط في مصدر البضاعة، بل في طريقة تسويقها، خاصة عند بيع "طرود مغلقة" بأسعار مغرية دون الإفصاح عن محتواها أو حالتها، معتبرا أن "فكرة شراء 5 قطع مقابل 100 شيكل دون معرفة ماهيتها هي مخاطرة بحد ذاتها".
ويشدد على ضرورة أن يوضح البائع للمستهلك أن هذه البضائع مرتجعة من شركات التوصيل، مع تحديد حالتها بدقة، مثل وجود خدوش أو كسور لا تؤثر على الاستخدام، بدلا من تقديمها على أنها جديدة.
مدير شركة (EPS): لا يحق لشركات التوصيل بيع الطرود المرتجعة أو مجهولة المصدر
من جهته، أوضح مدير شركة التوصيل (EPS) طارق حامد أن الأصل في عمل شركات التوصيل هو إيصال الطرود إلى المستلمين النهائيين، وفي حال وجود مرتجعات يجب إعادتها إلى المصدر، إلا أن بعض الطرود تعود دون بيانات واضحة بسبب فقدان البوليصة أو الاعتماد على رموز QR فقط، ما يؤدي إلى صعوبة تتبعها وتراكمها داخل الشركات.
وأشار في حديثه لـ"الاقتصادي" إلى أن أن بعض الشركات تعتمد أنظمة داخلية لمعالجة المرتجعات عبر التواصل مع التجار وإعادتها لأصحابها، بينما تلجأ شركات أخرى إلى أنظمة غير دقيقة تفتقر للبيانات الكاملة، رغم وجود تعليمات رسمية تلزم بوجود بوليصة تحتوي على بيانات المرسل والمستلم ومحتوى الطرد.
وأكد حامد أن شركات التوصيل لا يحق لها بيع الطرود المرتجعة أو مجهولة المصدر، مشيراً إلى أن بعض الشركات تتعامل معها عبر التبرع بها للجمعيات الخيرية أو التخلص منها بطرق نظامية، محذرا من أن بيعها في السوق يفتح الباب أمام حالات احتيال ويضعف الثقة في التجارة الإلكترونية.
وبالتالي في ظل غياب التنظيم الكافي، تبقى تجارة "طرود المرتجعات" مساحة رمادية تحكمها معادلة صعبة بين تعويض خسائر الشركات، وسعي التجار للربح، وحقوق المستهلك في الشفافية. وبينما قد تكون هذه التجارة فرصة للبعض، فإنها تتحول في حالات أخرى إلى بوابة للغش، ما يستدعي رقابة أكبر، ووعيا أعلى لدى المستهلكين.

