غزة/ الاقتصادية
ما نتحدث عنه هنا ليس فقط المرحلة السياسية الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية، بل المرحلة الاقتصادية غير المسبوقة التي يجري فرضها على الفلسطينيين في إطار مسعى إسرائيلي واضح لدفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار الذاتي عبر إنهاك الاقتصاد، وصولاً إلى خلق واقع تصبح فيه معالجة الأزمات الإنسانية والاقتصادية بديلاً عن معالجة أصل القضية السياسية.
لقد أثبتت التجارب الأخيرة أن فرض واقع إنساني واقتصادي شديد القسوة أصبح جزءاً من أدوات السياسة الإسرائيلية. وما جرى في غزة، وما تبعه في جنوب لبنان، يثير مخاوف حقيقية من انتقال أدوات الضغط نفسها إلى الضفة الغربية، التي تشكل محوراً أساسياً في المشاريع الإسرائيلية المتعلقة بالتوسع الاستيطاني وفرض السيطرة على الأرض. ولا يخفى أن مسؤولين إسرائيليين، من بينهم سموتريتش وبن غفير وغيرهما، يعلنون بصورة متكررة مواقف تدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان.
ومن هنا يصبح الاقتصاد الفلسطيني أحد أهم ميادين المواجهة.
تعمل إسرائيل على محاصرة الاقتصاد الفلسطيني عبر مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أبرزها منع عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين من الوصول إلى سوق العمل داخل إسرائيل، مع الإبقاء على فرص العمل في المستوطنات بما يخدم التوسع الاستيطاني ويزيد من تبعية الاقتصاد الفلسطيني له.
كما يجري تقليص كفاءة عمل المعابر التجارية والإنسانية، ولا سيما جسر الملك حسين، بما يحد من حركة الفلسطينيين في الخارج ويثني المغتربين ورجال الأعمال عن زيارة فلسطين أو الاستثمار فيها. ويترافق ذلك مع تشديد القيود على الحركة داخل الضفة الغربية عبر الحواجز والبوابات العسكرية وإغلاق الطرق، الأمر الذي يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد أسعار السلع على المواطنين.
وفي الوقت نفسه، يستمر احتجاز أجزاء كبيرة من أموال المقاصة، بما يحد من قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويؤثر في صرف الرواتب، ويضعف الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم، ويؤدي إلى انكماش اقتصادي ينعكس مباشرة على المجتمع الفلسطيني.
أما أخطر أدوات الضغط الاقتصادي، فتتمثل في الامتناع عن استقبال فائض النقد الورقي من الشيقل، رغم أن الشيقل هو العملة التي يصدرها البنك المركزي الإسرائيلي، وبما يتعارض مع المبادئ المصرفية والأعراف المالية والاتفاقيات الثنائية.
وقد أدى ذلك إلى تراكم مليارات الشواقل في خزائن البنوك وبين أيدي المواطنين، وخروجها عملياً من الدورة الاقتصادية، في الوقت الذي يضطر فيه القطاع المصرفي إلى استخدام احتياطياته من العملات الأجنبية لتوفير الشيقل الإلكتروني اللازم لتلبية احتياجات الاقتصاد، وهو ما يؤدي بدوره إلى استنزاف السيولة بالدولار والعملات الأخرى.
ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها سلطة النقد الفلسطينية والبنوك العاملة في فلسطين للحد من آثار هذه الأزمة، فإن الاقتصاد الفلسطيني أصبح عملياً مضطراً للعمل ضمن سقف الشحن الشهري الذي تسمح به السلطات الإسرائيلية، والبالغ نحو 1.5 مليار شيقل، وهو سقف لا يتناسب مع احتياجات الاقتصاد الفلسطيني.
إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب شراكة وطنية حقيقية تجمع الحكومة وسلطة النقد والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والغرف التجارية واتحاد الصناعات والمجلس التنسيقي وكافة المؤسسات الوطنية، بعيداً عن تبادل الاتهامات، والعمل وفق خطة وطنية متكاملة، يمكن أن تشمل ما يلي:
1. إدراج قضية فائض الشيقل ضمن أولويات التحرك السياسي والدبلوماسي، وطرحها بصورة منهجية أمام الحكومات والمؤسسات الدولية باعتبارها أداة ضغط اقتصادي تهدد الاستقرار المالي والإنساني في فلسطين.
2. تحرك سلطة النقد على المستوى المصرفي الدولي لممارسة ضغط مهني وقانوني على البنك المركزي الإسرائيلي، بما ينسجم مع مسؤولياته تجاه العملة التي يصدرها.
3. تعزيز الرقابة على إدخال كميات كبيرة من النقد الورقي من الشيقل إلى السوق الفلسطينية، بما يمنع تفاقم الأزمة ويحد من استغلال السوق الفلسطينية لتصريف فائض النقد.
4. إدارة السيولة المتاحة وفق أولويات وطنية تضمن استمرار تمويل القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الغذاء والطاقة والدواء والخدمات الصحية.
5. تسريع التحول إلى وسائل الدفع الرقمية، وتوسيع استخدامها بين الأفراد والتجار، واستكمال تطبيق السياسات الهادفة إلى خفض الاعتماد على النقد.
6. إطلاق حملات توعية تستهدف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر لتشجيع استخدام وسائل الدفع الرقمية عند الشراء من الأسواق الفلسطينية، بما يخفف من تدفق النقد الورقي.
7. تمكين الفلسطينيين في الداخل من فتح حسابات مصرفية ومحافظ إلكترونية في فلسطين، وربطها بوسائل تغذية رقمية، بما يقلل الاعتماد على النقد ويخفض كلفة التحويلات والعمولات.
8. تشجيع قبول العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار، في بعض المعاملات التجارية مع الفلسطينيين في الداخل، بما يخفف الضغط على الطلب على الشيقل النقدي.
9. إلزام عمليات بيع الذهب والعقارات والسلع مرتفعة القيمة بأن تتم عبر القنوات المصرفية، وعدم اعتمادها قانونياً إلا بعد إثبات التسوية البنكية، بما يحد من تداول كميات كبيرة من النقد.
10. تفعيل دور شركات الصرافة في استبدال فائض الشيقل بعملات أخرى من السوق الإسرائيلية، ضمن أطر قانونية ورقابية واضحة، بما يسهم في تخفيف الضغط على الجهاز المصرفي.
إن هذه الإجراءات لن تنهي الأزمة ما دامت أسبابها السياسية قائمة، لكنها قد تساعد في تعزيز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود وتقليل آثارها؛ فالمعركة اليوم ليست معركة مالية أو مصرفية فحسب، بل معركة للحفاظ على قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستمرار، ومنع استخدام الاقتصاد أداةً لفرض وقائع سياسية جديدة على الأرض. فكلما ازداد التنسيق بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمجتمع، ارتفعت قدرة الفلسطينيين على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، إلى حين معالجة جذور الأزمة سياسياً.

