وكالات/الاقتصادية/
تواجه فسطين منعطفاً اقتصادياً غير مسبوق تفرضه إسرائيل لدفع السلطة نحو الانهيار عبر إنهاك تفاصيل اقتصادها الوطني. وتهدف هذه السياسة الممنهجة إلى استبدال الحل السياسي الشامل بآليات مجتزأة تركز فقط على معالجة الأزمات الإنسانية والمعيشية المؤقتة.
وتتصاعد المخاوف من نقل أدوات الضغط الاقتصادي القاسية، التي استُخدمت سابقاً في غزة ولبنان، إلى أراضي الضفة الغربية لتعزيز التوسع الاستيطاني. ويتزامن ذلك مع تصريحات متكررة لمسؤولين إسرائيليين تدعو علناً لفرض السيادة الكاملة على الضفة ومصادرة المزيد من الأراضي.
وفي هذا السياق، تحول الاقتصاد الفلسطيني إلى ميدان مواجهة رئيسي؛ حيث تحاصره سلطات الاحتلال عبر منع آلاف العمال من دخول الخط الأخضر. وبالمقابل، تُبقي إسرائيل على فرص العمل داخل المستوطنات لخدمة توسعها وتعميق تبعية العمالة الفلسطينية لها.
وتتكامل هذه القيود مع تقليص كفاءة المعابر التجارية الحيوية، وفي مقدمتها جسر الملك حسين، مما يعيق حركة المواطنين ويطرد الاستثمارات الخارجية. كما يؤدي تشديد الحواجز العسكرية الداخلية بالضفة إلى مضاعفة تكاليف النقل والإنتاج ورفع أسعار السلع الأساسية.
وتواصل إسرائيل احتجاز أجزاء واسعة من أموال المقاصة الفلسطينية، مما يشل قدرة الحكومة تماماً على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه المواطنين. وينعكس هذا الإجراء مباشرة على انتظام صرف الرواتب والخدمات العامة كالصحة والتعليم، مسبباً انكماشاً وحصاراً محلياً خانقاً.
وتبرز أزمة رفض إسرائيل استقبال فائض النقد الورقي من عملة "الشيقل" كأخطر أدوات الضغط الراهنة، بمخالفة صريحة للبروتوكولات المصرفية الثنائية. وتسبب هذا التعنت بتراكم مليارات الشواقل بالبنوك المحلية، مما اضطر القطاع المصرفي لاستنزاف احتياطياته الأجنبية لتوفير الشيقل الإلكتروني.
ورغم جهود سلطة النقد لتدارك الأزمة، بات الاقتصاد الفلسطيني محكوماً بسقف شحن شهري تحدده إسرائيل بـ1.5 مليار شيقل فقط. ويعد هذا الحد منخفضاً جداً ولا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الحقيقية للدورة الاقتصادية وحجم التبادل التجاري اليومي.
ولمواجهة هذا التحدي، يتطلب الوضع شراكة وطنية تجمع الحكومة والقطاعين المصرفي والخاص لتنفيذ خطة إنقاذ عاجلة بعيداً عن السجالات. وتشمل الخطة تدويل أزمة فائض الشيقل دبلوماسياً، والضغط قانونياً على البنك المركزي الإسرائيلي بصفته الجهة المصدرة والمسؤولة عن العملة.
وتدعو الخطة المقترحة لضبط تدفق النقد الورقي للسوق، وإدارة السيولة المتاحة لتأمين القطاعات الحيوية والأمن الغذائي والدوائي للمواطنين. كما تحث على تسريع أدوات التحول الرقمي في المعاملات التجارية لتقليل الاعتماد الكلي واليومي على العملة الورقية المكدسة.
وتشمل الآليات توعية فلسطينيي الداخل بالدفع الإلكتروني، وتمكينهم من فتح حسابات ومحافظ مصرفية في فلسطين لتسهيل التحويلات والتعاملات مالياً. كما تقترح الخطة تشجيع قبول العملات الأجنبية كالدولار في المعاملات التجارية الكبرى لتخفيف الضغط المتزايد على الشيقل.
وتتضمن المقترحات إلزامية التسوية البنكية لبيع العقارات والذهب، وتفعيل شركات الصرافة لاستبدال الفائض بالعملات الأخرى وفق أطر رقابية مشددة. ورغم أن هذه الخطوات لن تنهي الأزمة جذرياً، إلا أنها تعزز صمود المجتمع وتحميه من الانهيار المالي.

