اليوم السبت ٢٥ يوليو ٢٠٢٦م

التخطيط الاستراتيجي والتخطيط بالسيناريوهات… خارطة طريق فلسطين نحو التعافي وإعادة البناء

اليوم, ١١:٣٨:٠٣ ص
تعبيرية

بقلم/ أنور محمد عطالله - باحث ادارة مخاطر وازمات بجامعة القاهرة 

الإنسان أولاً… والتخطيط طريقاً نحو بناء الدولة وصناعة المستقبل

“أفضل وسيلة للتنبؤ بالمستقبل هي صناعته.”

– بيتر دراكر

في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد النجاح مرهوناً بإدارة الحاضر فحسب، بل أصبح مرتبطاً بالقدرة على استشراف المستقبل وصناعته. ومن هنا برز التخطيط الاستراتيجي بوصفه البوصلة التي تحدد الرؤية والأهداف بعيدة المدى، وبرز التخطيط بالسيناريوهات باعتباره الأداة العلمية التي تمكن صانع القرار من الاستعداد لمختلف الاحتمالات، وتحويل الأزمات إلى فرص، والتحديات إلى محركات للتنمية.

واليوم، تقف فلسطين، وفي القلب منها قطاع غزة، أمام مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث؛ مرحلة لا تقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإنما تتطلب إعادة بناء الإنسان، والمؤسسات، والاقتصاد، ومنظومة اتخاذ القرار، وفق رؤية وطنية شاملة تستند إلى العلم، والحوكمة، والكفاءة، والشراكة، والإيمان بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.

وقبل الحديث عن الخطط والاستراتيجيات، دعوني أقف إجلالاً وإكباراً أمام الإنسان الفلسطيني، الذي كان ولا يزال الثروة الحقيقية لهذا الوطن.

أقف احتراماً للمزارعين الفلسطينيين الذين، منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 وحتى اندلاع الحرب الأخيرة، استطاعوا رغم الحصار، وشح الموارد، ومحدودية الإمكانات، تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من المحاصيل الزراعية، وتقديم منتجات وطنية عالية الجودة أثبتت أن الأرض الفلسطينية قادرة على العطاء متى وجدت من يرعاها.

وأحيي أصحاب الصناعات الوطنية الذين نجحوا، على مدار العقود الثلاثة الماضية، في بناء قطاع صناعي فلسطيني وفر آلاف فرص العمل، ونافس العديد من المنتجات المستوردة، وأثبت أن الإبداع لا يرتبط بحجم الإمكانات، بل بعزيمة الإنسان وإصراره على النجاح.

كما أتقدم بكل التقدير إلى رجال الأعمال والتجار الشرفاء الذين استثمروا في وطنهم رغم كل التحديات، وإلى الأكاديميين والباحثين ومراكز الدراسات، وإلى الأطباء والطواقم الصحية، وإلى المهندسين وشركات الإنشاءات، وإلى المعلمين والإعلاميين، وكل من أسهم في بناء فلسطين وغزة خلال العقود الماضية.

ورغم أن الحرب الأخيرة خلفت دماراً هائلاً طال الإنسان والحجر، فإنها لم تستطع أن تدمر الخبرة المتراكمة، ولا العقول المبدعة، ولا الكفاءات الوطنية التي تمثل اليوم رأس المال الحقيقي لأي مشروع للتعافي وإعادة الإعمار. فالثروة الحقيقية لفلسطين لم تكن يوماً في مواردها الطبيعية، وإنما في إنسانها، الذي أثبت في كل المراحل أنه قادر على البناء كلما أتيحت له الفرصة.

ولعل من أهم الدروس التي تقدمها التجارب الدولية أن الدول لا تنهض بوفرة الموارد، وإنما بحسن إدارتها. ولعل تجربة سنغافورة خير مثال على ذلك؛ فبعد استقلالها عام 1965 كانت دولة صغيرة، محدودة المساحة، تفتقر إلى الموارد الطبيعية، وتعاني تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكن قيادتها آمنت بالإنسان، واعتمدت التخطيط الاستراتيجي، واستثمرت في التعليم، وبنت مؤسسات قوية، وحاربت الفساد، وجذبت الاستثمارات، وتبنت التخطيط بالسيناريوهات في إدارة مستقبلها، فتحولت خلال عقود قليلة إلى واحدة من النمور الآسيوية الأربعة، وإلى واحدة من أكثر دول العالم تنافسية وازدهاراً.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع فلسطين أن تنهض؟ بل أصبح: كيف يمكن توظيف التخطيط الاستراتيجي والتخطيط بالسيناريوهات لبناء مستقبل أفضل لفلسطين وغزة؟

ولتحقيق ذلك، فإن فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، بحاجة إلى تبني مجموعة من المرتكزات الاستراتيجية، من أهمها:

1- إقامة شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، بحيث يكون شريكاً مؤثراً في رسم السياسات الاقتصادية وصناعة القرار، لا شريكاً رمزياً، باعتباره أكبر مولد لفرص العمل وأكثر القطاعات قدرة على الابتكار ورفع الإنتاجية. كما أن فلسطين تزخر برجال أعمال وطنيين حققوا نجاحات كبيرة منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، وهي نماذج وطنية تستحق أن تُدرّس في كليات الاقتصاد والإدارة، وأن يكون لها دور فاعل في رسم مستقبل الاقتصاد الفلسطيني.

2- الاستفادة من جميع الكفاءات والخبرات الفلسطينية داخل الوطن وخارجه، وإشراك الباحثين والأكاديميين والمهندسين والأطباء والاقتصاديين والمتخصصين في إعداد الخطط الوطنية وصناعة القرار، لأن بناء الأوطان يبدأ باحترام العلم والاستفادة من العقول.

3- تعزيز التعاون مع الخبرات العربية والاستفادة من التجارب التنموية الناجحة في الدول العربية الشقيقة، بما يسهم في نقل المعرفة، وتبادل الخبرات، وتجنب تكرار الأخطاء، واختصار الوقت والجهد.

4- الاستفادة من التجارب المؤسسية الرائدة في جمهورية مصر العربية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية في مجالات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر والأزمات، واستمرارية الأعمال، وبناء المؤسسات، لما حققته هذه الدول من نجاحات أصبحت محل تقدير إقليمي ودولي.

5- بناء شراكات تنموية واستثمارية مع الصناديق السيادية والمؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها الصندوق السيادي النرويجي، لدعم مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية.

6- إعداد رؤية وطنية طويلة المدى تمتد حتى عام 2045 أو 2050، تتضمن أهدافاً استراتيجية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وخططاً تنفيذية تلتزم بها المؤسسات والحكومات المتعاقبة.

7- إنشاء مجلس وطني للتخطيط الاستراتيجي واستشراف المستقبل يضم ممثلين عن الحكومة، والقطاع الخاص، والجامعات، ومراكز الأبحاث، بما يضمن تكامل الرؤى ودعم متخذي القرار بالخبرة العلمية.

8- تأسيس مركز وطني لإدارة المخاطر والأزمات والتخطيط بالسيناريوهات، تكون مهمته تحليل التحديات المستقبلية، وإعداد السيناريوهات المحتملة، ووضع خطط الاستجابة والتعافي، بما يعزز جاهزية الدولة لمواجهة مختلف المتغيرات.

9- إنشاء بنك وطني للمشروعات التنموية يضم مشاريع مكتملة الدراسات الفنية والاقتصادية والمالية، بحيث تكون جاهزة للتنفيذ فور توافر التمويل.

10- إنشاء مرصد وطني للبيانات والإحصاءات يوفر قواعد بيانات دقيقة وحديثة لدعم التخطيط وصناعة القرار، لأن القرار الرشيد لا يُبنى على التخمين، وإنما على المعلومات.

11- تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال دعم الزراعة، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، وريادة الأعمال، بما يعزز القدرة على الصمود ويقلل الاعتماد على قطاع واحد.

12- الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وإعداد القيادات الشابة وتمكين المرأة، باعتبار الإنسان الفلسطيني الثروة الاستراتيجية الحقيقية، والقادر على قيادة مرحلة التعافي وبناء الدولة الحديثة.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن الدول التي جعلت من التخطيط الاستراتيجي ثقافةً وطنية، ومن التخطيط بالسيناريوهات منهجاً لصناعة القرار، استطاعت أن تنتقل من الأزمات إلى التنمية، ومن الهشاشة إلى القوة، ومن الاعتماد على الآخرين إلى صناعة مستقبلها بقدراتها الذاتية.

وفلسطين ليست أقل قدرة من تلك الدول؛ فهي تمتلك الإنسان، والعلم، والإرادة، والقطاع الخاص الوطني، والكفاءات التي أثبتت نجاحها داخل الوطن وخارجه. وما تحتاج إليه اليوم هو توحيد هذه الطاقات ضمن مشروع وطني جامع، يقوم على الشراكة، والحوكمة، والتخطيط العلمي، والاستفادة من التجارب الناجحة، بعيداً عن العمل بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة

إن الأمم لا تُقاس بحجم التحديات التي واجهتها، بل بقدرتها على تحويل تلك التحديات إلى فرص. وعندما يصبح التخطيط ثقافة، والعلم أساس القرار، والإنسان محور التنمية، فإن فلسطين، وغزة على وجه الخصوص، ستكون قادرة على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل، لتبني دولة عصرية قوية، مزدهرة، وقادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً،