اليوم الأحد ٠٢ أغسطس ٢٠٢٦م

بروتوكول باريس يمنح السلطة تخفيض سعر الوقود.. لماذا لا ُتفعله؟

اليوم, ٩:١٤:٤٣ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

أثار ارتفاع أسعار المحروقات في الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة مع مطلع الشهر الحالي جدلاً واسعاً بين الخبراء والصحفيين حول إمكانية تدخل الحكومة لخفض تلك الأسعار، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي خلفتها الحرب.

وتقوم الأسعار تحديداً، على ما أفرزه بروتوكول باريس الاقتصادي من بنود تفرض على السلطة الفلسطينية شروطاً محدة مثل أن يكون البنزين الذي يباع في فلسطين بمواصفات أوروبية نظير ما هو موجود في إسرائيل، كما لا يحق للللسطة بيع البنزين بسعر أقل من اسرائيل بهامش أكثر من 15%، لكنه يعطي كذلك هوامش للسلطة من بينها أن الاتفاق الذي إلى يعد الإطار الناظم للعلاقة الاقتصادية والمالية مع اسرائيل منذ إنشاء السلطة الفلسطينية في العام 1994 أتاح للسلطة بيع السولار والكاز والغاز بأسعار غير محددة، أي أن البروتوكول لم يشترط على السلطة سعراً محدداً إلا في البنزين.

 

وبات السؤال الذي يطرح نفسه، طالما أن البروتوكول يقدم هذا الهامش للسلطة الفلسطينية، فلماذا لا تقوم بخفض الأسعار خاصة في هذه الظروف الصعبة؟

 

للإجابة على هذا السؤال لا بد من تقديم بعض المعطيات الأساسية، وهي أن نحو 65% من سعر ليتر المحروقات هو عبارة عن ضرائب (ضريبة المحروقات وضريبة القيمة المضافة)، وهذه تشكل تقريباً ثلث إيرادات السلطة الفلسطينية من المقاصة التي تمثل نحو68% من الإيرادات العامة، لكن الاحتلال الاسرائيلي يحتجزها منذ أكثر من 16 شهراً، الأمر الذي عمق الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، وهنا يطرح خبراء اقتراحاً يتمثل بتخفيض القيم الضريبية أي أن تستغني السلطة عن جزء من إيراداتها الضريبية في هذه المرحلة لتخفيض الأسعار، خاصة أن إسرائيل تحتجز ايرادات المقاصة والتي تمثل ضريبة المحروقات ثلثها. 

 

إمكانية الاستفادة من بروتوكول باريس الاقتصادي

ورغم أن السلطة الفلسطينية تقوم عملياً بشراء السعر شاملاً الضريبة من الشركات الإسرائيلية غير أن بعض الخبراء يرون أنه بإمكان السلطة القيام بخطوة يتيحها بروتوكول باريس الاقتصادي، وذلك بتخفيض الضرائب المفروضة على المشتقات النفطية، وإبلاغ الجانب الإسرائيلي بها، ما يساهم في تخفيض الأسعار رغم أن هذا سيخفض الإيرادات العامة، لكن المقاصة حالياً محتجزة ولا تستفيد منها السلطة الفلسطينية في تنفيذ التزاماتها تجاه القطاعات المختلفة.

 

يقول الخبير الاقتصادي سمير حليلة إن "السلطة الفلسطينية بإمكانها أن تحدد الضريبة شهرياً وتبلغ ذلك لوزارة المالية الإسرائيلية كي يتم إصدار فاتورة المقاصة الخاصة بعمليات الشراء على أساس هذه الضريبة والتي يتم تحويلها للمقاصة المحتجزة أساساً لديهم".

 

 ويضيف"لا بدّ من إعادة النظر بتقديم مزيد من التخفيضات الضريبية، خاصة أن إسرائيل تحتجز أموال المقاصة بشكل كامل".

 

ويؤكد حليلة أن شراء المحروقات بالسعر الكامل ليس تطبيقاً للاتفاق بل هو تفسير اسرائيلي غير مقبول منذ زمن، ولا يمكن أن يكون الأساس، مشيراً إلى ضرورة فحص الحكومة للاتفاقيات مع الشركتين الإسرائيليتين لأن خرق اتفاقية باريس يجب أن لا يتم بدون نقاش أو متابعة من الحكومة وغيرها"، مشيراً إلى أن الموضوع فني يتعلق بتطبيق الاتفاقية وليس سياسياً ناجم عن نص الاتفاقية نفسها. 

 

ويقول حليلة إن الدول تحدد سعر المشتقات النفطية بناءً على السياسات الضريبية ومستويات الحياة فيها، حبث تعتمد الدول الغنية على تحرير الأسواق وفرض ضرائب باهظة على البترول ومنها إسرائيل ولوكسمبورغ وهونج كونج، أما الدول ذات الدخل المتوسط فتوازن بين جباية الضريبة وحماية المستهلك وتستخدم لجان تسعير حكومية لتحديد الأسعار شهرياً، مثل تركيا والمغرب والأردن.

 

ويشير إلى أن الدول ذات الدخل المنخفض تلجأ إلى تثبيت أسعار البترول ودعمه لحماية اقتصادها من التضخم ودعم التنافسية مثل السودان وفيتنام وماليزيا وباكستان. 

 

وتساءل" ونحن من تصنيف الدول منخفضة الدخل ألا نستحق دعماً لقدرتنا التنافسية ومساواتنا مع الدول المجاورة عدا إسرائيل من أجل صمود مواطنينا واستمرارهم في الحياة"!

 

من جهته، يقول الخبير المالي والمصرفي محمد سلامة لـ"اقتصاد صدى": اتفاق باريس أو بروتوكل باريس الاقتصادي، كان إطاراً لمرحلة انتقالية ولم يكن إطاراً منظماً للعلاقة لفترات طويلة، دون وجود آليات مراجعة دورية حسب ما سيحدث مستقبلاً.

 

ويضيف"حالياً هناك فرق بين ما ورد في بروتوكول باريس من بنود وما يطبق عملياً، لأن التحكم وكامل التطبيق بيد الاحتلال، وقد طبق البروتوكول بشكل يحمي مصالحه"، منوهاً إلى أنه بالعودة إلى الاتفاق نجد أن الاتفاق الاقتصادي بين الجانبين يتيح لفظاً للسلطة الفلسطيينة التحكم بنسبة الضرائب على المحروقات مع تحديد هامش للبنزين، لكن التطبيق العملي حالياً أن السعر تحدده الشركة المزودة للوقود، وهذا يشمل التكلفة، بالإضافة إلى الضرائب المفروضة، مبيناً أن ذلك أشارت إليه تفصيلاً دراسات لخبراء فلسطينيين. 

 

ويشير سلامة إلى أن الموضوع متعلق بأحد أدوات السياسة المالية (الضرائب)، ومن الناحية العملية لو استطاعت السلطة الفلسطينية تنفيذ ما ورد في الاتفاق وخفضت الضريبة فإن ذلك سيكون له آثار كبيرة على الإيرادات الخاصة بالسلطة وقدرتها على تمويل ميزانيتها. 

 

ويلفت سلامة إلى أن قرارات السياسة المالية للدولة والتي تؤثر على الإيراد بشكل كبير كما تؤثر على حياة المواطن لا تؤخذ بهذه الطريقة، بل تتطلب تحليلاً ودراسة وقانوناً أو قراراً بتغيير السياسة المالية لما لها من آثار مستقبلية ولفترات طويلة على قدرة الحكومة على تقديم الخدمات للمواطن وآثارها على الدورة الاقتصادية عموماً وحياة المواطن في النهاية.

 

ويشير سلامة إلى أنه قد يكون هناك اعتقاد بأن أزمة المقاصة هي مؤقتة وسيصار إلى حلها لاحقاً، وهذا لا يستدعي تغيراً جذرياً في السياسة المالية، كتغير نسب الضريبة على المحروقات لأن مثل هذا القرار الاستراتيجي يجب أن يقيس تأثير ذلك على الإيرادات العامة وقدرة الحكومة على تقديم الخدمات، وأثر ذلك على حياة المواطن وهو يحتاج إلى تطوير السياسة المالية قبل اللجوء إليه، فلا يمكن خفض الضريبة اليوم ورفعها غداً. كما قال.

 

ويضيف: "بما أن هذا القرار يؤثر على الإيرادات العامة لفترة طويلة، وهناك من يعتقد بأن هذا الأمر متاح، وممكن وهو كذلك، ولكن حينما نتمعن في عواقبه فإنه يجب الإقرار بأن هذا يحتاج إلى دراسة بعمق لأن تثيره استراتيجي، ومتشعب من وجهة نظر مالية".

 

ويتابع: "إذا كانت أزمة المقاصة ستستمر لبضع شهور أخرى فلا يوجد داع لتغيير السياسية المالية (إن كان هذا التغير ممكناً أصلاً في طل الظروف الحالية)، وسيبدو ذلك قراراً متسرعاً جاء ردة فعل على أزمة طارئة".

 

ولفت إلى أن الحل المرحلي يكون باتخاذ تدابير مؤقتة لصالح القطاعات التي تحتاج الدعم بدل تغيير السياسة.