رام الله/ الاقتصادية
رغم أن الإنتاج المحلي من القمح لا يغطي سوى نحو 5% من الاحتياج السنوي للفلسطينيين، إلا أن هذا المحصول يتعرض لاستهداف متواصل في المناطق الزراعية، من خلال اعتداءات المستوطنين وحرق الحقول والرعي الجائر والاستيلاء على الأراضي، إلى جانب تراجع معدلات الأمطار، ما أدى إلى انكماش المساحات المزروعة وتراجع الإنتاج بصورة حادة.
ويتركز جزء مهم من زراعة القمح في المناطق المفتوحة، وخاصة في الأغوار وسهول جنين، وهي مناطق تواجه ضغوطاً متزايدة على المزارعين وأراضيهم. وفي الأغوار تحديداً، أدى تضييق الوصول إلى الأراضي والاعتداء على المحاصيل إلى تراجع كبير في زراعة القمح والمحاصيل الحقلية، في وقت تشير فيه تقديرات المزارعين إلى أن التراجع في بعض هذه المحاصيل تجاوز 80%.
ولا يقتصر التهديد على خسارة موسم زراعي، فكل دونم يُفقد من زراعة القمح يعني تراجعاً إضافياً في قدرة الفلسطينيين على إنتاج محصول يرتبط مباشرة بالخبز والطحين والأعلاف، في وقت تزداد فيه أهمية الحفاظ على كل مساحة زراعية ممكنة.
وبحسب مدير عام اتحاد المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، فإن الاحتلال ومستوطنيه أخضعوا نحو 75% من أراضي الأغوار لسيطرتهم، واستولوا على نحو 70% من مساحة أراضي الضفة الغربية المصنفة "ج"، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وزراعتها.
وقال ملحم في حديث خاص لـ"الاقتصادي" إن القمح كان يُزرع بصورة رئيسية في المناطق المفتوحة، وخاصة الأغوار وسهول جنين، لكن واقع الأراضي الزراعية في الأغوار تغير بشكل كبير، بفعل الاعتداءات والسيطرة على الأراضي، إلى جانب انخفاض المعدلات المطرية اللازمة لنمو القمح والوصول به إلى مرحلة الحصاد.
وأوضح أن الموسم الماضي شهد تراجعاً حاداً في زراعة وإنتاج القمح في الأغوار، حيث إن قلة الأمطار، إلى جانب هجمات المستوطنين والرعي من قبل قطعانهم، أدت إلى تقليص حجم زراعة القمح والمحاصيل الحقلية بصورة كبيرة، في ظل خضوع معظم الأراضي في المنطقة لسيطرة المستوطنين.
وأشار إلى أن الظروف الطبيعية والاعتداءات لم تكن العوامل الوحيدة التي أثرت في زراعة القمح، إذ إن المزارع في منطقة جنين يضع المردود المالي في مقدمة اعتبارات اختيار المحصول.
الفريكة تنافس القمح
وبيّن ملحم أن هناك منافسة واضحة بين زراعة القمح وتركه ليُحصد ويُستخدم في إنتاج الفريكة، نظراً للفارق في السعر بين المنتجين.
وقال إن سعر الفريكة أعلى بكثير من سعر القمح، ما يجعل تحويل المحصول إلى فريكة أكثر جاذبية للمزارع من الناحية الاقتصادية، وبالتالي فإن المساحات والكميات المخصصة لزراعة القمح تبقى محدودة، فيما يظل الإنتاج المحلي من القمح منخفضاً بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية.
وأضاف أن المزارع في نهاية المطاف يختار المحصول الذي يحقق له المردود المالي الأعلى، ما لم تتدخل الحكومة من خلال سياسات تحفيزية تجعل زراعة المحاصيل ذات الأهمية الاستراتيجية، كالقمح، منافسة اقتصادياً للمحاصيل الأخرى.
وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت توجهها نحو زيادة إنتاج القمح، وهو ما رحب به اتحاد المزارعين من حيث المبدأ، لكنه شدد على ضرورة أن يكون القرار مصحوباً بسياسات تحفيزية للمزارعين.
وقال ملحم إن إعلان الحكومة أو وزارة الزراعة عن زيادة إنتاج القمح "قرار جيد"، لكنه يحتاج إلى إجراءات عملية تشجع المزارعين على زراعته بدلاً من المحاصيل الأخرى.
واقترح أن تقدم الوزارة بذور القمح والأسمدة مجاناً للمزارعين، وأن تشتري المحصول منهم بسعر تفضيلي، مع توفير حوافز أخرى، بما يمكن أن يدفع المزارعين إلى توسيع المساحات المزروعة بالقمح.
وتساءل ملحم: "لماذا لا تقدم الحكومة البذور والسماد للمزارع، ثم تشتري منه المحصول بأفضلية سعرية، مع إعفاءات ضريبية، خاصة أن القمح يُزرع في المناطق المهددة، ولا يمثل سوى نحو 5% من إجمالي الاحتياج السنوي؟".
ويرى أن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تساهم في رفع مستوى الأمن الغذائي، خصوصاً أن القمح يُزرع في مناطق تتعرض لمخاطر متعددة، سواء بفعل اعتداءات المستوطنين أو الظروف الطبيعية.
وأكد أن غياب السياسات التحفيزية يجعل قرار زيادة إنتاج القمح عرضة للبقاء في إطار التوجهات والخطط، دون أن ينعكس بالضرورة على أرض الواقع، بسبب ضعف جاذبية زراعته للمزارعين.
وأوضح أن العديد من الدول التي تسعى إلى حماية أصناف أو محاصيل محددة تضع استراتيجيات لدعم المزارعين مالياً، بما يشجعهم على اختيار زراعة هذه الأصناف بدلاً من محاصيل أخرى قد تحقق عائداً مالياً أعلى.
وقال إن المزارع، في ظل غياب الحوافز، سيستمر في زراعة المحصول الذي يحقق له أعلى مردود مالي، ولذلك فإن رفع إنتاج القمح يتطلب جعل زراعته مجدية اقتصادياً.
اعتداءات المستوطنين وشح الأمطار
وفيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بمحصول القمح، قال ملحم إن حصر حجم الاعتداءات التي تعرض لها المحصول على يد المستوطنين أمر صعب، نظراً لتنوع أشكال الاعتداءات والعوامل المؤثرة في الإنتاج.
وأوضح أن "نكبات القمح متنوعة"، وتتراوح بين العوامل الطبيعية المتعلقة بالأمطار وكميات المياه، وبين الاعتداءات على الأراضي الزراعية والمحاصيل.
وأشار إلى أن معدلات الأمطار في مناطق الأغوار خلال الموسم الماضي كانت في بعض المناطق أقل من 100 ملم، وهي كميات لا تكفي لإنتاج القمح ونموه والوصول به إلى مستوى الحصاد.
وأضاف أن هجمات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي في معظم مناطق الأغوار حدّت من قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وحراثتها وفلاحتها وزراعتها.
أما الأراضي التي تمكن المزارعون من فلاحتها وزراعتها، وخاصة في المناطق التي تتمتع بمعدلات أمطار أعلى، فقد تعرض بعضها للرعي من قبل قطعان الأغنام والأبقار التابعة للمستوطنين، أو للتخريب، أو للتدريبات العسكرية التي أدت إلى تدمير المحاصيل، إضافة إلى حرقها خلال موسم الحصاد.
وأكد ملحم أن هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع كبير في مستويات إنتاج القمح، إلى جانب المحاصيل الحقلية الأخرى التي يعتمد عليها المزارعون لإنتاج الطحين والخبز، وكذلك توفير السبلة والأعلاف للحيوانات.
وأشار إلى أن التراجع في هذه المحاصيل قد يتجاوز 80% في مناطق الأغوار.
127 حريقاً استهدف حقول القمح والشعير
وتتطابق هذه المعطيات مع بيانات وزارة الزراعة بشأن الأضرار التي لحقت بالمحاصيل خلال موسم الحصاد.
وبحسب الناطق باسم وزارة الزراعة، محمود فطافطة في تصريح صحفي، فإن الوزارة رصدت منذ بداية موسم الحصاد وحتى أيار/مايو الماضي 127 حادثة إشعال حرائق نفذها مستوطنون عمداً في الحقول والسهول الزراعية.
وأوضح فطافطة أن هذه الحرائق أدت إلى احتراق مئات الدونمات المزروعة بالقمح والشعير في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وقدّر مساحة كل حريق من هذه الحرائق بما يتراوح بين 50 و150 دونماً، ما يعني أن إجمالي المساحات المتضررة لا يقل، وفق هذه التقديرات، عن 10 آلاف دونم، وقد يصل إلى نحو 19 ألف دونم.
وأشار إلى أن الخسائر المباشرة التي تكبدها المزارعون بلغت نحو 600 ألف دولار خلال الأسابيع الأولى من موسم الحصاد.
وتأتي هذه الأضرار في وقت يُعد فيه موسم الحصاد من أكثر المراحل حساسية بالنسبة للمزارعين، إذ إن استهداف المحاصيل بعد أشهر من الإنفاق على البذار والحراثة والرعاية يعني خسارة تكاليف الإنتاج والمحصول المتوقع في آن واحد.
صندوق طوارئ لم يُنفذ
ولا تقتصر مطالب اتحاد المزارعين على دعم زراعة القمح، إذ سبق له أن تقدم بمقترح لإنشاء صندوق طوارئ لدعم صمود المزارعين في مواجهة الكوارث والاعتداءات.
وقال ملحم إن اتحاد المزارعين الفلسطينيين اقترح، قبل عام 2023، إنشاء صندوق طوارئ لدعم صمود المزارعين، إلا أن المقترح لم ينفذ حتى الآن.
وأضاف: "الصمود لا يُبنى بالشعارات عبر التلفاز والإذاعة"، موضحاً أن المقترح كان ينص على تخصيص ما بين 30 و35 مليون شيكل للصندوق.
وأشار إلى أن هذه الميزانية ليست كبيرة مقارنة بحجم التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي، لكنها يمكن أن تكون كفيلة بإسناد المزارعين وتقديم الدعم الفوري لهم عند تعرضهم للكوارث، وفي مقدمتها اعتداءات المستوطنين المتكررة.
وأكد أن وجود صندوق طوارئ يمكن أن يوفر استجابة أسرع للمزارعين الذين تتعرض محاصيلهم وأراضيهم للتدمير أو الحرق أو الاعتداء، بدلاً من انتظار إجراءات طويلة بعد وقوع الضرر.
الزراعة البينية.. فرصة لزيادة إنتاج القمح
ويرى اتحاد المزارعين أن زيادة إنتاج القمح لا تتطلب فقط حماية الأراضي وتقديم الدعم المالي، وإنما أيضاً إعادة النظر في طريقة استغلال المساحات الزراعية القائمة.
وقال ملحم إن زيادة مساحات الأراضي المزروعة بالقمح والإنتاج المحلي تتطلب إعادة إحياء "الزراعات البينية"، وخاصة زراعة القمح والبقوليات بين أشجار الزيتون.
وأوضح أن العديد من المساحات بين الأشجار تترك دون استغلال زراعي، وينمو فيها العشب، في حين يمكن زراعة القمح والبقوليات فيها والاستفادة من هذه المساحات في زيادة الإنتاج المحلي.
وأضاف أن استغلال الأراضي بهذه الطريقة يحتاج إلى توفير أدوات ومعدات مناسبة للمزارعين، وخاصة الحصادات اليدوية أو شبه الآلية
وبيّن أن حصاد القمح يدوياً بين أشجار الزيتون عملية صعبة ومكلفة، وتزيد من تكاليف الإنتاج على المزارع، ما يضعف الجدوى الاقتصادية لهذا النوع من الزراعة.
لكن توفير آليات حصاد يدوية أو شبه آلية يمكن أن يساعد في جني المحصول بسرعة أكبر وبتكاليف أقل، ما يجعل زراعة القمح بين الأشجار أكثر جدوى، حتى في حال لم تكن أسعار القمح مدعومة بحوافز تفضيلية كافية.
وأكد أن الجمع بين الحوافز المالية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، ودعم عمليات الحصاد، وإعادة إحياء الزراعات البينية، يمكن أن يشكل أساساً لرفع الإنتاج المحلي من القمح.
مضاعفة الإنتاج خلال 3 إلى 5 سنوات
ويعتقد ملحم أن تطبيق هذه الإجراءات بصورة متكاملة يمكن أن يحدث تحولاً ملموساً في إنتاج القمح خلال السنوات المقبلة.
وقال إنه "بهذه الطريقة خلال 3-5 سنوات ممكن نرتفع ونرتقي بمستويات الإنتاج المحلي للقمح بمستويات عالية قد تكون ضعفين أو ثلاثة أضعاف المستويات الحالية".
ويشدد اتحاد المزارعين على أن الوصول إلى هذه المستويات يتطلب الانتقال من الحديث عن زيادة إنتاج القمح إلى وضع سياسة متكاملة تجعل زراعته خياراً اقتصادياً ممكناً للمزارع، خصوصاً في ظل المخاطر المرتفعة التي تواجه الزراعة في مناطق الأغوار والمناطق المصنفة "ج".
وتشمل هذه السياسة، وفق طرح الاتحاد، توفير البذار والأسمدة، وضمان شراء المحصول بسعر تفضيلي، وتقديم إعفاءات وحوافز مالية، وتوفير معدات الحصاد، إلى جانب إنشاء صندوق طوارئ لدعم المزارعين المتضررين.
وفي ظل كون الإنتاج المحلي من القمح لا يغطي سوى نسبة محدودة من الاحتياج السنوي، فإن رفع الإنتاج لا يرتبط فقط بدعم قطاع زراعي بعينه، بل يمثل، وفق المزارعين، جزءاً من معادلة الأمن الغذائي، خاصة في ظل استمرار المخاطر التي تهدد الأراضي الزراعية وقدرة المزارعين على الوصول إليها واستغلالها.

