غزة/ الاقتصادية
قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية إن الأحداث التي شهدتها بلدة قصرة الفلسطينية هذا الأسبوع تختصر، برأيها، صورة أوسع لما وصفته بـ"فقدان السيطرة" في الضفة الغربية، في ظل خلاف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن تقدير مستوى الاستقرار في الضفة، ولا سيما على خلفية تصاعد اعتداءات المستوطنين، وتدهور وضع السلطة الفلسطينية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
وبحسب الصحيفة، يسود جيش الاحتلال الإسرائيلي قلق من أن تكون الضفة الغربية على حافة انفجار، بفعل "الإرهاب اليهودي"، إلى جانب ضعف السلطة الفلسطينية وتدهور الوضع الاقتصادي. في المقابل، لا يشارك جهاز الأمن العام لدى الاحتلال "الشاباك" هذا التقدير، إذ يرى أن الوضع لا يزال مستقراً نسبياً، وأن الشارع الفلسطيني مردوع، مع تسجيل ارتفاع في عمليات إحباط الهجمات والاعتقالات.
وأشارت "يديعوت أحرونوت" إلى أن البعض ربط هذا التباين بمواقف رئيس الشاباك دافيد زيني، لكنها لفتت إلى أن الجهاز، في عهده، وسّع نشاط القسم المختص بالتطرف اليهودي، ويعتزم إعادة بنائه وتعزيز قدراته، كما أنه لا يُظهر حماسة لإضعاف السلطة الفلسطينية أو دفعها نحو الانهيار.
وضربت الصحيفة مثالاً على ذلك بملف آلية المقاصة المصرفية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وأوضحت أن حجم التجارة بين الجانبين يتجاوز 20 مليار شيكل، ويشكل مورداً أساسياً لاستمرار عمل السلطة. ويقوم بنكا "هبوعليم" و"ديسكونت" بدور البنوك المراسلة التي تتولى تسوية التحويلات المالية بين البنوك الفلسطينية والاقتصاد الإسرائيلي.
ولسنوات، كانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي تمنح البنكين "خطابات تأمين"، تتعهد بموجبها بتحمل الأضرار في حال تعرضهما لدعاوى قضائية إذا اكتشفت صلات بين حسابات في بنوك فلسطينية وجهات متهمة بتمويل المقاومة. ووفق الصحيفة، شكل هذا الملف منذ البداية إحدى الأدوات التي استخدمها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش للضغط على السلطة الفلسطينية.
وأضافت أن سموتريتش وافق في بداية ولايته على "خطاب التأمين" ووقّع عليه، قبل أن يدرك لاحقاً أن لديه أداة ضغط اقتصادية واسعة على السلطة، ربما تتجاوز في أهميتها ما حصل عليه ضمن الاتفاقات الائتلافية. ومنذ ذلك الحين، بدأ، بحسب الصحيفة، بتمديد خطابات التعويض لفترات قصيرة، تصل أحياناً إلى ثلاثة أشهر فقط، بالتوازي مع إبراز ما يعتبره صلات بين البنوك الفلسطينية وتمويل المقاومة وغسل الأموال.
وأدى ذلك، وفق "يديعوت أحرونوت"، إلى تصاعد القلق لدى المصارف الإسرائيلية، خشية تعرضها لدعاوى بمليارات الدولارات أمام محاكم أجنبية، ولا سيما من مواطنين أميركيين تضرروا من عمليات قد يُزعم أنها موّلت عبر حسابات مصرفية فلسطينية.
وفي موازاة ذلك، قالت الصحيفة إن سموتريتش عطّل أيضاً مساراً بديلاً كانت حكومة الاحتلال قد أعدته، ويتمثل في إنشاء شركة حكومية تتولى بنفسها المقاصة مع الجانب الفلسطيني. وأشارت إلى أن مقربين منه يقولون إن موظفين في وزارة المالية رفضوا بدورهم تولي عضوية مجلس إدارة هذه الشركة خشية تعرضهم شخصياً لدعاوى قضائية في الخارج.
وبحسب التقرير، استخدم سموتريتش التهديد بوقف خطابات التأمين أداة تفاوضية أمام جهات أوروبية وأميركية ودولية كانت تقاطعه علناً، وسعى من خلالها إلى انتزاع تنازلات، خصوصاً من واشنطن، بشأن توسيع المستوطنات وإقامة بؤر وبلدات استيطانية جديدة والتغاضي عن المزارع الاستيطانية.
لكن البنكين الإسرائيليين، "هبوعليم" و"ديسكونت"، وصلا في مرحلة معينة إلى قناعة بأن المخاطر القانونية والمالية لم تعد تستحق الاستمرار في هذا الدور، وطلبا الانسحاب من منظومة المقاصة. ووفق الصحيفة، رأى سموتريتش في ذلك تطوراً مريحاً، إذ إن وقف تدفق الأموال إلى السلطة سيبدو حينها نتيجة قرار لمؤسسات مالية خاصة، لا قراراً مباشراً منه.
تحذير الشاباك في الكابينت
وأفادت "يديعوت أحرونوت" بأن المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت" ناقش الملف قبل نحو شهرين، وطلب من الشاباك تقديم تقدير مهني. وقال رئيس الجهاز دافيد زيني ومسؤولوه للوزراء إن وقف تحويل الأموال إلى البنوك الفلسطينية سيزيد احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية.
وبحسب الصحيفة، كان موقف الشاباك واضحاً: إذا كانت الحكومة تريد فعلاً دفع السلطة إلى الانهيار، فعليها الامتناع عن منح خطابات التأمين للبنوك، وعندها ستتوقف المقاصة ويتفاقم الوضع الاقتصادي. كما حذر الجهاز من أن إنهاء المقاصة سيدفع العمال والتجار الفلسطينيين إلى استخدام النقد والعملات الأجنبية، وهو ما سيصعّب على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مراقبة التحويلات المالية.
وعقب هذا التحذير، قرر الكابينت، بمشاركة سموتريتش نفسه، الإسراع في عرض خطابات تأمين على البنوك الإسرائيلية حتى نهاية عام 2026، بهدف ضمان استمرار تعاملها مع السلطة الفلسطينية. وكان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الوحيد الذي عارض القرار. ونقلت الصحيفة عن بن غفير قوله لسموتريتش خلال الجلسة: "السلطة الفلسطينية تعني دماً يهودياً مسفوكاً. لقد بعت مبادئك مقابل بناء بضعة منازل (بؤر استيطانية)".
ورأت "يديعوت أحرونوت" أن سموتريتش، من زاويته، دفع مجدداً الأمور إلى أقصى حد ثم حصل على أكبر قدر ممكن من المكاسب. وأضافت أن مسؤولين فلسطينيين في القطاع المصرفي قد يواجهون قريباً عقوبات وتحقيقات دولية على خلفية اتهامات بتمويل المقاومة.
وأشارت الصحيفة إلى حدوث "اختراق" خلال الأيام الأخيرة، بعد نجاح جهود لإقناع أحد البنوك الإسرائيلية على الأقل بالعودة إلى أداء دور المقاصة، لكنها اعتبرت أن المشكلة ستنتقل على الأرجح إلى طاولة الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
وانتقدت الصحيفة التوجه القائم، معتبرة أن السلطة الفلسطينية، رغم ضعفها، تمثل "مصلحة إسرائيلية واضحة"، لأن انهيارها سيعني، بحسب تعبيرها، أن تضطر "إسرائيل" إلى استعادة إدارة مباشرة لنحو مليوني فلسطيني، بما في ذلك الخدمات المدنية من جمع النفايات وتمويل المدارس إلى إدارة مدن مثل الخليل ونابلس.
وخلصت "يديعوت أحرونوت" إلى أن التناقض بين إضعاف السلطة اقتصادياً، مع استمرار العلاقات الاقتصادية معها، واتهامها بدعم المقاومة مع مطالبتها في الوقت نفسه باعتقال المطلوبين، إلى جانب التساهل مع اعتداءات المستوطنين مع إعلان الالتزام بالقانون الدولي، يعكس، برأيها، سياسة فعلية تقوم على "الفوضى والأناركية".
وأضافت أن شخصيات مثل سموتريتش تستطيع، في ظل هذه الفوضى، استغلال نقاط الضعف لتحقيق مكاسب كبيرة على المدى القصير، بينما تواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ضغوطاً متزايدة، محذرة من أن "اللعبة تجري على رهانات مرتفعة جداً، وقد يكون ثمنها باهظاً، بل إنه باهظ بالفعل".

