اليوم السبت ١٥ أغسطس ٢٠٢٦م

غزة بعد توقف محطة التوليد وشركة الكهرباء.. اقتصادٌ يُستنزف، وبنيةٌ تُدمّر، وإنسانٌ يُترك في الظلام

اليوم, ٩:٣٤:١٧ ص
أرشيفية

بقلم/ أنور محمد عطالله- باحث دكتوراه في إدارة المخاطر والأزمات – جامعة القاهرة

 

في غزة، لا يعني انقطاع الكهرباء مجرد انطفاء مصباح أو توقف جهاز كهربائي؛ فالكهرباء ترتبط بكل تفاصيل الحياة تقريبًا. وفي قطاعٍ تهدمت شوارعه، وتبعثرت خيامه، وتحولت البيوت والطرق والمخيمات إلى مساحات مثقلة بالدمار، يأتي توقف محطة التوليد وشلل منظومة الكهرباء ليضيفا طبقة جديدة من المعاناة. غزة التي ترزح تحت آثار القصف والدمار، تجد نفسها أمام ظلام يمتد إلى البيوت والشوارع والخيام والطرقات، بينما تتراجع قدرة المجتمع على توفير أبسط مقومات الحياة.

 

ومن منظور اقتصادي وإدارة مخاطر وأزمات، فإن توقف منظومة الكهرباء لا يمثل أزمة خدمية فقط، وإنما صدمة اقتصادية وفنية وإنسانية متشابكة، تمتد آثارها من العامل والموظف إلى الشركة والمساهم، ومن الورشة والمصنع إلى الأسرة والخيمة.

 

التداعيات الاقتصادية… خسارة مباشرة وأخرى غير مباشرة

 

يمكن النظر إلى الخسائر الاقتصادية من زاويتين رئيسيتين. الأولى هي الخسارة المباشرة، وتتمثل في تراجع دخول العاملين في قطاع الكهرباء؛ فهناك نحو 640 موظفًا يتقاضون، منذ بداية الحرب، ما يقارب 40% فقط من رواتبهم الأصلية، وهو ما يعني انخفاضًا كبيرًا في القوة الشرائية لهذه الأسر، وبالتالي انخفاضًا في الطلب داخل السوق الغزي. فالموظف الذي يفقد جزءًا من دخله تتراجع قدرته على الإنفاق وتلبية احتياجات أسرته، وهكذا تنتقل أزمة الراتب من الشركة إلى الأسرة، ومن الأسرة إلى السوق، ثم إلى الاقتصاد كله.

 

أما الشركة نفسها، فقد فقدت خلال سنوات الحرب فرصة إنتاج وتشغيل كان يمكن أن تتحول إلى إيرادات وأرباح وتدفقات مالية داخل الاقتصاد. وبحسب بيانات أعلنتها شركة توزيع كهرباء غزة في عام 2025، حُرم القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة من الكهرباء، وقدرت الشركة خسائرها الأولية بأكثر من 728 مليون دولار. وهنا تظهر اقتصاديًا “تكلفة الفرصة الضائعة”؛ أي قيمة ما كان يمكن تحقيقه لو استمرت المنظومة في العمل بصورة طبيعية. كما أن توقف الكهرباء يرفع تكلفة الإنتاج على المنشآت التي تضطر إلى اللجوء لمصادر بديلة أكثر كلفة.

 

أما الخسارة غير المباشرة فتتمثل في ما أصاب حملة أسهم الشركة الفلسطينية للكهرباء. فقد طرحت الشركة 60 مليون سهم بقيمة اسمية دولار واحد للسهم، وكان سعر السهم المسجل عند آخر تداول متاح  يوم التاسع من اكتوبر 2023نحو 2.84 دولار، ما يعني أن القيمة السوقية النظرية لهذه الأسهم تبلغ قرابة 170.4 مليون دولار. وهذه ليست أموالًا نقدية محتجزة بالضرورة، وإنما قيمة سوقية لملكية المساهمين، إلا أن المشكلة تكمن في تجميد السيولة والقيمة الاستثمارية لهذه الملكية، إلى جانب عدم حصول المساهمين على توزيعات خلال سنوات الحرب. ويصبح الأمر أكثر حساسية إذا أخذنا في الاعتبار أن جزءًا من حملة الأسهم من كبار السن الذين قد تكون التوزيعات السنوية مصدرًا مهمًا من مصادر دخلهم. وبالتالي، فإن الأزمة تمتد إلى المساهم الذي جمدت ملكيته وتوقفت دورة مالية كان يمكن أن تعود بالنفع على السوق الغزي.

 

التداعيات الفنية… عندما تتوقف القدرة على إعادة الكهرباء

 

الأخطر من توقف محطة التوليد هو أن منظومة التوزيع نفسها تعرضت لدمار هائل، ما يجعل إعادة تشغيل الكهرباء عملية فنية ولوجستية ضخمة تحتاج إلى معدات وقطع غيار وآليات ومخازن وكوادر متخصصة. وبحسب ما أعلنته شركة توزيع كهرباء غزة، فقد تعرضت نحو 80% من الآليات والمركبات للدمار، و90% من المخازن، و70% من المباني والمقرات لدمار كلي أو جزئي، فيما دُمرت أكثر من 70% من شبكات الكهرباء، كما تجاوزت الخسائر الأولية في قطاع التوزيع 728 مليون دولار.

 

وهذا يعني أن المشكلة ليست في إنتاج الكهرباء فقط، وإنما في القدرة على نقلها وتوزيعها وإيصالها إلى المواطن. فعندما تتدمر الآليات تتعطل فرق الصيانة، وعندما تدمر المستودعات تضيع القدرة على توفير المعدات وقطع الغيار، وعندما تتدمر الشبكات والمحولات تصبح حتى الطاقة المتاحة عاجزة عن الوصول إلى البيوت والمنشآت. وهنا ترتفع تكلفة توفير الكهرباء، لأن البدائل تصبح أكثر كلفة وأقل كفاءة. إن إعادة الكهرباء إلى غزة ليست مجرد إعادة تشغيل محطة؛ إنها إعادة بناء منظومة كاملة تعرضت لضربة هائلة.

 

التداعيات الإنسانية… الكهرباء التي تحولت من خدمة إلى ضرورة للبقاء

 

لكن التداعيات الاقتصادية والفنية لا ترويان القصة كاملة؛ هناك الإنسان. ففي غزة، يعيش الناس وسط خيام وبيوت مهدمة ونقص حاد في الخدمات الأساسية، ولذلك فإن غياب الكهرباء يضاعف الضغط النفسي والمعيشي على المواطن.

 

وتزداد المشكلة قسوة مع ارتفاع أسعار البدائل، الذي وصل تقريبًا إلى 25 شيكلًا لكل كيلوواط/ساعة، وهو سعر يضع عبئًا هائلًا على الأسر والمواطنين وأصحاب الأعمال، ويجعل الحصول على الكهرباء بالنسبة لكثير من الأسر أمرًا بالغ الصعوبة.

 

فكيف تستطيع أم تعيش في خيمة أن تشغل غسالة أو ثلاجة أو وسيلة تدفئة في الشتاء؟ وكيف تستطيع الأسرة مواجهة حرارة الصيف من دون وسائل تبريد؟ وكيف يمكن لمحل تجاري أو ورشة أو مخبز أن يستمر في العمل عندما تصبح الطاقة واحدة من أعلى بنود التكلفة؟ إن غياب الكهرباء لا يعني فقط غياب الإنارة، بل يعني تراجع القدرة على حفظ الطعام، وضخ المياه، وتشغيل وسائل التبريد والتدفئة، ودعم الخدمات الصحية، وتحريك الأعمال الصغيرة، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الطبيعية. كما أن استمرار الظلام في بيئة مدمرة ومكتظة بالنازحين يضيف ضغطًا نفسيًا جديدًا على مجتمع أنهكته الحرب، ولهذا تتحول أزمة الكهرباء من أزمة طاقة إلى أزمة إنسانية مركبة.

 

الكهرباء ليست ترفًا… إنها شريان الحياة

 

الكهرباء في غزة ليست رفاهية يمكن تأجيلها، ولا خدمة ثانوية يمكن الاستغناء عنها؛ إنها شريان الحياة الذي يصل الماء بالصنبور، والغذاء بالثلاجة، والمريض بجهازه الطبي، والمخبز بفرنه، والورشة بآلاتها، والأسرة بقدرتها على أن تعيش بقدر من الكرامة.

 

ولهذا فإن استمرار توقف محطة التوليد وتعطل منظومة الكهرباء لا ينبغي أن يُنظر إليه كأزمة عابرة، بل كخطر اقتصادي وإنساني وفني يستوجب تدخلًا عاجلًا. ومن هنا، يجب أن تتجه مسؤولية المؤسسات الفلسطينية والدول العربية والمجتمع الدولي والجهات الإنسانية والمانحة بصورة عاجلة إلى إعادة تشغيل محطة التوليد، وإعادة تأهيل شركة التوزيع، وتوفير الوقود والمعدات والآليات وقطع الغيار، وإصلاح الشبكات والمحولات، بما يضمن عودة الكهرباء إلى المواطنين والمنشآت الحيوية بأسرع وقت ممكن.

 

وتزداد أهمية ذلك في ظل النقص الحاد في غاز الطهي وارتفاع أسعار الوقود في السوق، الأمر الذي يجعل استمرار الاعتماد على البدائل أكثر صعوبة. إن إدارة الأزمات لا تعني فقط التعامل مع الأزمة بعد وقوعها، بل تعني أيضًا منع تحولها إلى أزمة أكبر.

 

وفي غزة اليوم، إعادة الكهرباء ليست جزءًا من إعادة الإعمار فحسب؛ بل هي أحد شروط إعادة الحياة نفسها.

 

ولا يمكن أن نغفل هنا عن توجيه الشكر والتقدير إلى اللجنة المصرية القائمة على أعمال الإعمار في مخيم 18 بالنصيرات، لما تقدمه من جهد في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وهي جهود تعكس أهمية الدور المصري في مساندة أهلنا في قطاع غزة.