اليوم الاثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦م

الوطن… على شفا الانهيار

اليوم, ٩:٤١:٤١ ص
أنور عطالله

بقلم/ أنور عطالله- باحث إدراة الأزمات والمخاطر

 

عندما تلوح في الأفق الأزمة المالية للسلطة… قراءة في تقرير البنك الدولي وخطة إنقاذ عاجلة

 

بالنظر إلى خطورة البيانات التي أصدرها البنك الدولي بخصوص الوضع المالي للسلطة الفلسطينية، أرى أن قراءة هذه الأزمة يجب ألا تكون مالية ومحاسبية فقط، وإنما من زاوية إدارة المخاطر والأزمات؛ لأننا أمام أزمة تتجاوز عجز الموازنة وتأخر الرواتب، وتمس قدرة السلطة على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية وتماسك المجتمع والاقتصاد الفلسطيني.

البنك الدولي، في أحدث تحديث اقتصادي، وضع أرقامًا شديدة الخطورة أمام صانع القرار. فقد بلغ العجز المالي للسلطة قبل المنح عام 2025 نحو 1.03 مليار دولار، بينما بلغت المنح نحو 938 مليون دولار، واتسع العجز بعد احتساب الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة إلى نحو 1.3 مليار دولار. كما بلغت المتأخرات المستحقة للقطاع الخاص نحو 1.82 مليار دولار، وللموظفين العموميين نحو 2.85 مليار دولار، فيما قُدّر الدين العام بنحو 4.8 مليار دولار. والأخطر أن تعرض القطاع المصرفي للقطاع العام وصل إلى نحو 5.3 مليار دولار، أي قرابة 42% من إجمالي الائتمان المصرفي. أما في 2026، فتشير التقديرات إلى أن العجز قد يتجاوز 1.2 مليار دولار، ويرتفع بعد الاقتطاعات إلى نحو 1.6 مليار دولار.

 

هذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشرات إنذار مبكر لأزمة قد تتحول من أزمة مالية إلى أزمة سيولة وخدمات، ثم إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع.

 

أولًا: إعادة هيكلة السفارات الفلسطينية في الخارج

يجب إعادة هيكلة السفارات والممثليات الفلسطينية في الخارج ومراجعة جدواها وتكاليفها ووظائفها، خصوصًا في الحالات التي تقتصر فيها الخدمات على تجديد جوازات السفر وبعض المعاملات القنصلية. ويمكن، حيثما كان ذلك ممكنًا، الاتفاق مع مكاتب بريد أو مراكز خدمات معتمدة للقيام بالمعاملات القنصلية الأساسية والتحول تدريجيًا إلى الخدمات الرقمية.

وليس الهدف إلغاء التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني، وإنما إعادة تعريفه وفق الأولويات الوطنية والاقتصادية.

 

ثانيًا: وقف الترقيات والبدلات والنثريات والمصاريف غير الضرورية

يجب أن يكون هناك قرار فوري بوقف جميع الترقيات والبدلات والنثريات والمصاريف الخاصة غير الضرورية للشخصيات والمسؤولين في الحكومة والمؤسسات العامة إلى حين تجاوز الأزمة.

لا يمكن أن تطلب السلطة من المواطن الصبر، ومن الموظف تحمل تأخر راتبه، ومن القطاع الخاص تحمل تراكم المستحقات، بينما تستمر الامتيازات وكأننا نعيش في ظروف مالية طبيعية.

في إدارة الأزمات، تبدأ القيادة بنفسها قبل أن تطلب التضحية من الآخرين.

 

ثالثًا: سقف أعلى للأجور في هذه المرحلة الاستثنائية

أقترح، كإجراء مؤقت مرتبط بالأزمة، وضع سقف أعلى للأجور والامتيازات في مؤسسات السلطة لا يتجاوز 5,000 شيكل شهريًا، مع استثناءات مهنية محدودة وشفافة للوظائف التخصصية الحرجة إذا أثبتت الضرورة.

 

قد يبدو القرار قاسيًا، لكنه في الظروف الاستثنائية يجب أن يكون هناك شعور حقيقي بأن الجميع يتحملون المسؤولية. هناك عائلات فلسطينية لا دخل لها، وموظفون ينتظرون استكمال رواتبهم، وقطاع خاص يطالب بمليارات الشواكل المستحقة له.

الوطن اليوم يحتاج إلى التضحية قبل أن يحتاج إلى الامتيازات.

 

رابعًا: إنشاء هيئة وطنية لإدارة ملف أموال المقاصة والاقتطاعات

يجب إنشاء هيئة وطنية متخصصة ومستقلة لإدارة ملف أموال المقاصة والاقتطاعات، تضم خبراء في المالية العامة والاقتصاد والقانون الدولي والتجارة والضرائب، وتتولى متابعة الأموال الفلسطينية المحتجزة أو المقتطعة، والتواصل مع الجهات الدولية للضغط من أجل وقف الاقتطاعات وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في بروتوكول باريس الاقتصادي باعتباره إطارًا تعاقديًا يحكم العلاقة الاقتصادية، وليس منّة من أحد.

 

خامسًا: الدفاع عن العمال الفلسطينيين

يجب إنشاء لجنة وطنية للدفاع عن العمال الفلسطينيين الذين أوقفت تصاريحهم، والتواصل مع النقابات العمالية على مستوى العالم، ومع منظمة العمل الدولية والمؤسسات الحقوقية والعمالية الدولية، للضغط من أجل عودة العمال إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل.

فالعمال مصدر دخل للأسر، وحركة استهلاك في الأسواق، وإيرادات ضريبية، وحركة اقتصادية كاملة.

 

سادسًا: التدقيق في فواتير البضائع والضرائب المرتبطة بغزة

يجب فتح ملف البضائع التي يتم توريدها إلى قطاع غزة والضرائب والمقاصة المرتبطة بها، والوصول إلى الفواتير والبيانات الجمركية والضريبية وربطها إلكترونيًا بين الجهات المعنية، للتأكد من وصول الإيرادات المستحقة للخزينة.

فقطاع غزة يضم أكثر من مليوني فلسطيني، وأي نشاط