اليوم الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦م

إعادة هيكلة التعليم العالي في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية

اليوم, ١٠:٤٨:٤٧ ص
تعبيرية

بقلم/د. محمود صبرة

يشهد التعليم العالي في العالم مرحلة من التحول العميق ترتبط بالتطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، والتقنيات الحيوية، والروبوتات، والأنظمة الرقمية. ولم تعد هذه التحولات تقتصر على ظهور تخصصات جديدة في علوم الحاسوب أو الهندسة، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في بنية التخصصات الجامعية التقليدية، ومحتوى المناهج، وطبيعة المهارات المطلوبة من الخريجين، والعلاقة بين الجامعة وسوق العمل والبحث العلمي والاقتصاد المعرفي.

ومن ثم، فإن القضية الأساسية لم تعد تتمثل في إضافة تخصص جديد يحمل اسم «الذكاء الاصطناعي»، وإنما في إعادة النظر في هيكل التعليم العالي نفسه ومدى قدرة برامجه وتخصصاته على مواكبة التغيرات العلمية والتكنولوجية والمهنية المتسارعة. فالتحولات الجارية تشير إلى انتقال تدريجي من النموذج الجامعي القائم على الحدود الصارمة بين التخصصات إلى نموذج أكثر تكاملًا، تتداخل فيه العلوم الأساسية مع الحوسبة والهندسة والطب والاقتصاد وغيرها من الحقول التطبيقية.

تشير اتجاهات التعليم العالي في عدد من الدول المتقدمة إلى توسع واضح في البرامج المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، سواء بوصفها تخصصات مستقلة أو مسارات فرعية أو مكونات مدمجة داخل برامج قائمة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ارتفع عدد برامج البكالوريوس المستقلة في الذكاء الاصطناعي من عدد محدود للغاية في بداية العقد الحالي إلى عشرات البرامج الرئيسية والفرعية خلال سنوات قليلة. ولا تكمن أهمية هذا التطور في العدد وحده، بل في الاتجاه العام نحو دمج الذكاء الاصطناعي داخل تخصصات متعددة بدل حصره في أقسام علوم الحاسوب.

وتقدم الصين نموذجًا آخر لإعادة هيكلة الخريطة الأكاديمية. فقد شهدت السنوات الأخيرة مراجعة واسعة لآلاف برامج البكالوريوس، شملت إلغاء أو تعليق عدد كبير من البرامج، إلى جانب استحداث آلاف البرامج الجديدة المرتبطة بالأولويات العلمية والتكنولوجية والصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا لأهمية المراجعة الدورية للتخصصات الجامعية، بحيث لا تبقى الخريطة الأكاديمية ثابتة بينما تتغير بنية الاقتصاد والتكنولوجيا وأسواق العمل.

وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ضوء ما تشير إليه تقارير سوق العمل العالمية من تغير سريع في طبيعة المهارات المطلوبة. فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأمن السيبراني والمهارات الرقمية أصبحت من بين أسرع مجالات المهارات نموًا، في الوقت الذي تستمر فيه أهمية التفكير التحليلي، والقدرة على حل المشكلات، والمهارات الرياضية والإحصائية، والقدرة على التعلم المستمر. وهذا يعني أن مستقبل التعليم العالي لا يقوم على استبدال التخصصات القائمة بتخصصات تكنولوجية جديدة، وإنما على إعادة بناء التخصصات القائمة بحيث تدمج بين المعرفة التخصصية العميقة والمهارات الكمية والرقمية والحاسوبية.

ويظهر هذا التحول بوضوح في المجال الطبي. فالطب الحديث أصبح أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا الطبية، والتصوير المتقدم، والبيانات الصحية، والروبوتات الجراحية، وتحليل الجينوم، والطب الدقيق، ونظم دعم القرار السريري، والتطبيقات المختلفة للذكاء الاصطناعي. ولذلك لم يعد من السهل الفصل بين الطب والهندسة الحيوية والمعلوماتية الحيوية وعلوم البيانات الصحية بالطريقة التي كانت سائدة سابقًا.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك بعض البرامج الحديثة التي تدمج التعليم الطبي مع التكنولوجيا والهندسة. ويقدم برنامج Medicine and Surgery – MedTech في جامعة بادوفا نموذجًا واضحًا لهذا الاتجاه؛ إذ يجمع البرنامج بين التكوين الطبي السريري والعلوم الطبية الحيوية من جهة، والهندسة الحيوية والمعلوماتية الحيوية والإحصاء والتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى. ويعكس هذا النموذج تصورًا جديدًا للطبيب المستقبلي، باعتباره مهنيًا قادرًا ليس فقط على استخدام التكنولوجيا الطبية، بل أيضًا على فهم مبادئها الأساسية وتفسير البيانات التي تنتجها والتعامل مع الأنظمة الذكية التي أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من الممارسة الصحية.

وفي السياق نفسه، تطورت تخصصات مثل الهندسة الطبية الحيوية، والهندسة الحيوية، والمعلوماتية الحيوية، والبيولوجيا الحاسوبية، وعلوم البيانات الطبية، والصحة الرقمية، والروبوتات الطبية، وهندسة الأجهزة الطبية، والطب الدقيق. وتشترك هذه التخصصات في تجاوز الحدود التقليدية بين العلوم، بحيث تصبح المشكلات الصحية والبيولوجية مجالًا مشتركًا للطب والهندسة والرياضيات والحاسوب والعلوم الطبيعية.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على الطب. ففي الاقتصاد والتمويل، تتزايد أهمية الاقتصاد القياسي المتقدم وتحليل البيانات والتعلم الآلي والنماذج التنبؤية. وفي الهندسة، أصبح الذكاء الاصطناعي مكونًا أساسيًا في الروبوتات وأنظمة التحكم والتصنيع الذكي والأنظمة الذاتية. وفي علوم الحياة، تتزايد أهمية الحوسبة في تحليل البيانات الجينية والبروتينية والبيولوجية. كما تتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات في القانون والإدارة والإعلام والعلوم الاجتماعية، بدرجات متفاوتة بحسب طبيعة كل تخصص.

ويترتب على ذلك أن إعادة هيكلة التعليم العالي لا ينبغي أن تركز فقط على إنشاء تخصصات جديدة، وإنما ينبغي أن تشمل مراجعة جوهرية لمحتوى التخصصات القائمة. فقد يكون من الأكثر فاعلية في بعض الحالات تطوير برنامج قوي في الاقتصاد يتضمن مسارًا متقدمًا في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، بدل إنشاء تخصص مستقل ذي مضمون محدود. وقد يكون من الأنسب تطوير برنامج الهندسة ليشمل التعلم الآلي والتحكم الذكي وتحليل البيانات، أو تحديث برامج الطب بإدخال المعلوماتية الصحية والذكاء الاصطناعي، بدل الاكتفاء بإضافة مساقات اختيارية منفصلة.

ويبرز هنا مفهوم التخصصات البينية بوصفه أحد الاتجاهات الأساسية في التعليم العالي المعاصر. فالكثير من مجالات النمو العلمي والمهني تقع اليوم في المناطق الفاصلة بين التخصصات أكثر مما تقع داخل الحدود التقليدية لأي تخصص واحد. ومن هنا ظهرت نماذج مثل الطب والتكنولوجيا، والاقتصاد وعلوم البيانات، والبيولوجيا والحوسبة، والهندسة والذكاء الاصطناعي، والقانون والتكنولوجيا. وتسمح هذه النماذج بتكوين خريج يمتلك عمقًا في تخصص أساسي، إلى جانب قدرة عملية على العمل في بيئات معرفية متعددة.

وفي الوقت نفسه، فإن التوسع في الذكاء الاصطناعي يعيد التأكيد على أهمية العلوم الأساسية بدل أن يقلل منها. فالذكاء الاصطناعي المتقدم يعتمد بصورة مباشرة على الرياضيات والإحصاء والجبر الخطي والاحتمالات والتحسين الرياضي والخوارزميات. وتعتمد الروبوتات على الفيزياء والرياضيات والتحكم والإلكترونيات، بينما تقوم الهندسة الطبية الحيوية على تداخل الفيزياء والكيمياء والأحياء والهندسة والحوسبة.

ومن ثم، فإن تحديث التخصصات لا ينبغي أن يؤدي إلى تخفيف الأساس العلمي لمصلحة التدريب السريع على أدوات رقمية قابلة للتغير. فالبرامج الجامعية القادرة على الاستمرار هي تلك التي توازن بين المعرفة الأساسية المستقرة نسبيًا والمهارات التكنولوجية المتغيرة بسرعة. أما التركيز على استخدام تطبيقات محددة دون بناء قاعدة قوية في الرياضيات والعلوم والحوسبة، فقد يؤدي إلى مهارات قصيرة العمر يصعب على الخريج تطويرها مع تغير الأدوات والتقنيات.

وينبغي كذلك التمييز بين التحديث الحقيقي للتخصص وبين التحديث الشكلي في المسمى. فإضافة كلمات مثل «الذكاء الاصطناعي» أو «الرقمي» أو «الذكي» إلى اسم برنامج لا تضمن بالضرورة تحديث محتواه. ويقاس نجاح عملية إعادة الهيكلة بمدى تغير مخرجات التعلم، ونوعية المهارات التي يكتسبها الطالب، وجودة التدريب العملي، وقدرة أعضاء هيئة التدريس والبنية التحتية البحثية والمخبرية على دعم البرنامج.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن تستند إعادة هيكلة التعليم العالي إلى مجموعة من المبادئ المتكاملة. أولها إجراء مراجعة دورية للخريطة الأكاديمية وربط استمرار البرامج أو تطويرها بالتغيرات العلمية والاقتصادية والمهنية. وثانيها تعزيز التكامل بين التخصصات بدل زيادة التجزئة الأكاديمية. وثالثها إدخال المهارات الرقمية وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي بدرجات تتناسب مع طبيعة كل تخصص، مع تجنب تحويلها إلى مكونات شكلية. ورابعها تقوية التعليم في الرياضيات والإحصاء والعلوم الأساسية والحوسبة. وخامسها تطوير مسارات فرعية وشهادات مصغرة ودرجات مزدوجة تسمح للطالب بإضافة تخصصات مساندة دون التضحية بعمق التخصص الأصلي. وسادسها تعزيز العلاقة بين التعليم والبحث العلمي والمؤسسات المهنية والاقتصادية لضمان أن تعكس المناهج التغير الحقيقي في بيئات العمل.

كما ينبغي ألا تنحصر عملية الإصلاح في الاستجابة المباشرة لسوق العمل. فالجامعة لا تؤدي وظيفة تدريبية فقط، وإنما تضطلع أيضًا بإنتاج المعرفة، وتنمية التفكير النقدي، وبناء القدرة على الابتكار والتكيف مع تغيرات لا يمكن التنبؤ بها بالكامل. ومن ثم، فإن الهدف لا ينبغي أن يكون إعداد الطالب لوظيفة محددة فقط، بل تمكينه من امتلاك قاعدة معرفية ومهارية تسمح له بالانتقال بين الوظائف والتخصصات والتكنولوجيات طوال حياته المهنية.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملًا محفزًا لإعادة التفكير في التعليم العالي، وليس غاية مستقلة في حد ذاته. فقد كشف التطور السريع لهذه التكنولوجيا عن الحاجة إلى مناهج أكثر مرونة، وتخصصات أكثر تداخلًا، ومهارات أكثر تنوعًا، وآليات أسرع لمراجعة البرامج الأكاديمية.

ولهذا، فإن السؤال المركزي لم يعد هو عدد البرامج الجديدة التي يمكن استحداثها، بل مدى قدرة منظومة التعليم العالي على إعادة توجيه مواردها وبرامجها ومناهجها نحو المجالات ذات القيمة العلمية والاجتماعية والاقتصادية المستقبلية. وقد يتطلب ذلك تطوير بعض البرامج، ودمج بعضها، وإعادة توزيع أعداد المقبولين بينها، وتعليق البرامج التي لم تعد تحقق قيمة مضافة كافية، إلى جانب استحداث برامج جديدة عندما توجد حاجة علمية ومهنية واضحة لها.

إن الاتجاه العالمي الراهن يوحي بأن الجامعة المستقبلية ستكون أقل اعتمادًا على الحدود الصلبة بين التخصصات، وأكثر اعتمادًا على تكامل المعرفة. وسيظل الطب والاقتصاد والهندسة والعلوم الأساسية وغيرها من المجالات ركيزة للتعليم الجامعي، إلا أن محتواها وطرق تدريسها وصلاتها بالتكنولوجيا ستتغير بصورة متزايدة.

وعليه، فإن إعادة هيكلة التعليم العالي ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملية مستمرة لتحديث المعرفة والمهارات والتخصصات، وليست استجابة مؤقتة لموجة تكنولوجية بعينها. والغاية النهائية ليست إنتاج أكبر عدد من التخصصات الحديثة في أسمائها، وإنما بناء برامج قادرة على إعداد خريجين يمتلكون أساسًا علميًا متينًا، ومهارات كمية ورقمية، وقدرة على العمل بين التخصصات، واستعدادًا دائمًا للتعلم والتكيف.

وفي عالم تتسارع فيه دورة إنتاج المعرفة وتتغير فيه طبيعة المهن بوتيرة متزايدة، تصبح مرونة نظام التعليم العالي وقدرته على مراجعة ذاته وتحديث تخصصاته أحد أهم عناصر قدرته على الإسهام في التنمية والابتكار والاستعداد للمستقبل. السؤال هو:

هل سنعيد نحن بناء جامعاتنا قبل أن يكتشف خريجونا أن العالم الذي أعددناهم له لم يعد موجودًا؟