اليوم الاثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م

اختفاء 1.8 مليون حاوية يهدد سلاسل الإمداد العالمية

أمس, ٩:٠٦:١٤ ص
أرشيفية

وكالات/ الاقتصادية

قبل نحو 70 عاما، كانت أرصفة لندن تعاني فوضى تشغيلية تستغرق معها عملية تفريغ السفينة نحو 10 أيام، بمشاركة قرابة 50 عاملا. لكن اختراع رجل الأعمال الأميركي مالكوم ماكلين للحاوية الموحدة عام 1956 غيّر قواعد اللعبة، وسهم في خفض تكاليف الشحن بنحو 97%.

ولم تقتصر أهمية الحاوية على تسريع عمليات التحميل والتفريغ، بل أسهمت في تمهيد الطريق لعولمة التجارة، وتحولت معها الصين إلى مصنع للعالم. واليوم تنقل الحاويات نحو 60% من إجمالي التجارة العالمية، فيما تستطيع أكبر سفن الحاويات استيعاب ما يصل إلى 24 ألف حاوية في الرحلة الواحدة، أي ما يعادل حمولة قطار يمتد لعشرات الأميال.

لكن هذه الثورة اللوجستية تواجه اليوم اختبارا غير مسبوق، مع ارتفاع الطلب وتزايد الاختناقات في الموانئ، بالتزامن مع توسع أحجام السفن إلى مستويات تقترب من الحدود التشغيلية للبنية التحتية الحالية.

في وقت تستثمر فيه شركات تشغيل الموانئ، بينها "دي بي ورلد"، في توسيع قدراتها، تشير بيانات عام 2026 إلى اختفاء نحو 1.8 مليون حاوية من الشبكات العالمية، وسط اضطرابات ناجمة عن ازدحام الموانئ واختلال حركة التداول.

وتثير هذه التطورات مخاوف من انتقال الاختناقات من الموانئ إلى سلاسل الإمداد العابرة للقارات، خصوصا مع وصول سعة بعض السفن العملاقة إلى نحو 24 ألف حاوية، في وقت لا تزال فيه موانئ عدة تكافح لاستيعاب هذه الأحجام.

ويشبه محللون الوضع بالمطارات التي تحتاج إلى مدارج أطول لاستيعاب الطائرات الأكبر حجما، إذ لم تعد زيادة حجم السفن وحدها كافية لتحسين كفاءة النقل، ما لم تواكبها استثمارات مماثلة في الموانئ والبنية التحتية البرية.

وتتفاقم الضغوط نتيجة اختلال التوازن التجاري بين آسيا والأسواق الغربية. فمن بين كل 10 حاويات تغادر آسيا باتجاه الغرب، تعود نحو 3 أو 4 حاويات فقط محملة بالبضائع، ما يفرض على شركات الشحن تحمل تكاليف إعادة ملايين الحاويات الفارغة إلى مراكز الإنتاج الآسيوية.

وللتقليل من هذه الخسائر، تلجأ شركات الشحن إلى استخدام رحلات العودة لنقل بضائع منخفضة القيمة نسبيا، من بينها نفايات الورق والنبيذ والحبوب، بينما يتجه مشغلو الخطوط الملاحية بصورة متزايدة إلى الاستثمار في الموانئ أو شراء حصص فيها لضمان انسيابية العمليات وتقليل مخاطر الاختناقات.

وتزامن ذلك مع ارتفاع الطلب العالمي على الحاويات بنسبة 5.2% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما قفزت الصادرات الصينية بنسبة 12.4%، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة ترتيب سلاسل الإمداد وتنويع مساراتها في محاولة للتكيف مع الرسوم الجمركية والتوترات التجارية.

وفي ظل هذا الضغط، يبدو أن نموذج التجارة العالمية منخفضة التكلفة الذي ترسخ على مدى عقود يواجه مرحلة جديدة، لا بسبب نقص السفن أو الحاويات وحده، وإنما نتيجة تزايد الاختناقات البنيوية في الموانئ وشبكات النقل.

ويزداد الضغط مع وصول حجم سفن الحاويات الجديدة قيد الطلب إلى ما يعادل نحو 40% من الأسطول الحالي، وهو مستوى قياسي يعكس توقعات القطاع باستمرار نمو الطلب، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول قدرة الموانئ والبنية التحتية العالمية على استيعاب هذه الزيادة.

وبعد سبعة عقود من تغيير الحاوية لشكل التجارة الدولية، يواجه قطاع الشحن البحري معادلة أكثر تعقيدا: سفن أكبر، وحمولات أكثر، وطلب متزايد، مقابل بنية تحتية تقترب من حدود قدرتها الاستيعابية. وهو ما يضع الحكومات وشركات النقل والموانئ أمام ضرورة إعادة التفكير في مستقبل اللوجستيات العالمية، قبل أن تتحول الاختناقات المؤقتة إلى عائق هيكلي أمام حركة التجارة الدولية.