اليوم السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦م

مخاوف إسرائيلية من قطع العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية

أمس, ١١:١٧:٣٨ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

أخذت التحذيرات الإسرائيلية من احتمال انهيار السلطة الفلسطينية اقتصادياً، خلال أغسطس/آب الجاري، منحى أكثر وضوحاً، مع انتقال النقاش من أزمة عجز مالي مزمنة وعدم القدرة على دفع الرواتب بانتظام، إلى مخاوف من إصابة البنية التي يقوم عليها الاقتصاد الفلسطيني نفسه بالشلل، في حال اجتمع استمرار حجب أموال المقاصة مع قطع العلاقات المصرفية بين البنوك الفلسطينية ونظيرتيها الإسرائيليتين "هبوعليم" و"ديسكونت".

وتكشف تقارير نشرتها وسائل إعلام عبرية خلال الشهر الجاري عن تباين واضح داخل إسرائيل حيال إدارة الأزمة. ففي الوقت الذي يستخدم فيه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الأدوات المالية والمصرفية للضغط على السلطة، تنظر جهات أمنية ومصرفية إسرائيلية إلى بلوغ الضغط حد الانهيار باعتباره خطراً قد يرتد على إسرائيل نفسها. وبرز، في هذا السياق، تحذير لجهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، كُشف عنه في منتصف أغسطس، إلى جانب تدخل من بنك إسرائيل سعياً إلى تأجيل قطع العلاقات المصرفية.

وتنبع حساسية الملف من أن العلاقة بين المصارف الفلسطينية والبنوك الإسرائيلية ليست مجرد علاقة مالية يمكن إنهاؤها من دون تداعيات واسعة، إذ تمثل أحد الشرايين الأساسية لاقتصاد يعمل بالشيقل ويرتبط بصورة كبيرة بالسوق الإسرائيلية، سواء في استيراد الوقود والغذاء والأدوية والكهرباء، أو في عمليات التجارة والتحويل والتسوية المالية. وفي ظل أزمة المقاصة المستمرة، فإن تعطيل هذه القناة يفتح الباب أمام أزمة تتجاوز مالية السلطة إلى القطاع المصرفي والاقتصاد الفلسطيني بأكمله.

 

التحذير من الانهيار

بدأت التحذيرات تأخذ زخماً في وسائل الإعلام الإسرائيلية منذ مطلع أغسطس، عندما ربطت تقارير اقتصادية بين نية "هبوعليم" و"ديسكونت" وقف خدمات المراسلة للبنوك الفلسطينية وبين احتمال دخول الاقتصاد الفلسطيني مرحلة أكثر خطورة. وكتبت المعلقة الاقتصادية في صحيفة "مكور ريشون" والباحثة في منتدى كوهيلت، ريكي ممان، أن الخطر الأكبر الذي يواجه السلطة في المرحلة الحالية يأتي من النظام المصرفي، مشيرة إلى استعداد "ديسكونت" لإنهاء خدماته في مطلع سبتمبر/أيلول، و"هبوعليم" في مطلع أكتوبر/تشرين الأول. وقدّرت حجم التدفقات التي تمر عبر هذه القنوات بنحو 50 مليار شيقل سنوياً.

ولا يمثل توصيف ممان تقديراً حكومياً إسرائيلياً، لكنه يسلط الضوء على طبيعة المشكلة: فالبنوك الفلسطينية تحتاج إلى بنوك إسرائيلية مراسلة للوصول إلى منظومة المدفوعات والتسوية الإسرائيلية، وإجراء جزء أساسي من العمليات بالشيقل. وفي 5 أغسطس، نقل الصحافي الاقتصادي عيدان إيرتس، في تقرير نشره موقع القناة 12 العبرية، القضية من نطاق الخسائر الفلسطينية إلى التداعيات المحتملة على الاقتصاد الإسرائيلي نفسه، محذراً من أن الانفصال بين البنكين الإسرائيليين والمصارف الفلسطينية قد يؤدي إلى "فوضى مالية"، ويدفع المزيد من المعاملات نحو النقد والعملات الأجنبية، فضلاً عن إحداث مشكلات لشركات إسرائيلية تتعامل مع الفلسطينيين.

لكن المؤشر الأكثر أهمية ظهر في 15 أغسطس، عندما كشف الصحافي الإسرائيلي ناداف إيال، في "يديعوت أحرونوت/واينت"، عن تقدير قدمه "الشاباك" خلال اجتماع سابق للكابينت، حذر فيه من أن عدم وصول الأموال إلى البنوك الفلسطينية من شأنه زيادة احتمالات انهيار السلطة. ولم تقتصر مخاوف "الشاباك" على مصير السلطة، إذ ربط الجهاز بين استمرار عمل النظام المصرفي وبين قدرة إسرائيل على مراقبة حركة الأموال. ووفق ما نشره إيال، فإن تعطل التسوية المصرفية قد يدفع العمال والتجار إلى استخدام النقد والعملات الأجنبية، ما يجعل عمليات التتبع المالي أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

 

ممر لا تريد إسرائيل إغلاقه

تكمن خطورة الأزمة في طبيعة الوظيفة التي يؤديها "هبوعليم" و"ديسكونت". فالبنكان لا يحتفظان ببساطة بحسابات فلسطينية، وإنما يعملان كقناة مراسلة وتسوية تتيح للبنوك الفلسطينية التعامل مع النظام المالي الإسرائيلي، وإجراء التحويلات المرتبطة بالتجارة والمدفوعات بالشيقل. وبحسب الأرقام التي أوردتها المصادر العبرية، تتجاوز قيمة التجارة بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي 20 مليار شيقل، في حين يصل إجمالي التدفقات التي تمر عبر خدمات المراسلة المصرفية، وفق تقديرات أخرى، إلى نحو 50 مليار شيقل سنوياً. والرقمان لا يقيسان الشيء نفسه، إذ يتعلق الأول بحجم التجارة، بينما يشمل الثاني نطاقاً أوسع من التدفقات المصرفية.

في المقابل، ترى البنوك الإسرائيلية أن استمرار هذه العلاقة يعرضها لمخاطر قانونية وتنظيمية، خصوصاً الدعاوى المحتملة المرتبطة بغسل الأموال وتمويل "الإرهاب"، وما يمكن أن يترتب عليها من تأثير في علاقاتها بالمصارف الدولية والتسوية بالدولار. ولهذا وفرت الحكومة الإسرائيلية، طوال السنوات الماضية، خطابات تعويض وضمان للبنكين تحميهما من جانب من المخاطر القانونية. إلا أن هذه الآلية تحولت بدورها إلى ورقة سياسية. وبحسب ما كشفته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، استخدم سموتريتش تمديد الحماية القانونية للبنوك في إطار ضغوطه على السلطة، في وقت أصبح فيه البنكان أكثر ميلاً إلى إنهاء العلاقة بسبب المخاطر التي يريان أنها لم تعد مجدية تجارياً.

وهنا تظهر المفارقة في الموقف الإسرائيلي؛ إذ إن فصل البنوك الفلسطينية عن المنظومة الإسرائيلية يمكن تقديمه باعتباره إجراءً يهدف إلى الحد من المخاطر المرتبطة بتمويل "الإرهاب" وغسل الأموال، لكن "الشاباك" يرى أن النتيجة قد تكون معاكسة، عبر دفع مزيد من المعاملات إلى خارج النظام المصرفي المنظم. وبذلك، لا تتعلق المصلحة الأمنية الإسرائيلية باستمرار السلطة فقط، وإنما أيضاً بإبقاء أكبر قدر ممكن من النشاط الاقتصادي الفلسطيني داخل شبكة مالية يمكن تتبع حركة الأموال فيها. فالاقتصاد القائم على التحويلات المصرفية أكثر قابلية للرقابة، من المنظور الإسرائيلي، من اقتصاد يتوسع فيه تداول النقد والعملات الأجنبية أو وسائل الدفع البديلة.

 

المقاصة والبنوك.. مساران يخنقان الاقتصاد

تزداد خطورة الأزمة المصرفية لأنها تأتي في وقت تعاني فيه السلطة أصلاً من أزمة حادة في أموال المقاصة، وهما مساران مختلفان، رغم تداخلهما في النتائج. فأموال المقاصة هي الضرائب والجمارك التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية بموجب الترتيبات الاقتصادية القائمة، وتمثل مورداً أساسياً للخزينة الفلسطينية. أما المراسلة المصرفية، فتتعلق بالبنية التي تسمح للبنوك الفلسطينية بإجراء عمليات التسوية والتحويل بالشيقل مع الجانب الإسرائيلي.

وبعبارة أخرى، تحدد المقاصة مقدار الأموال التي تدخل خزينة السلطة، بينما تحدد المراسلة المصرفية، بدرجة كبيرة، قدرة الأموال على الحركة بين الاقتصادين. وفي 11 أغسطس، نشر موقع "واينت" تقريراً استند فيه إلى معطيات حركة "السلام الآن"، قدّر أموال المقاصة بنحو 11 مليار شيقل سنوياً، وقال إنها شكلت تاريخياً أكثر من 60% من موازنة السلطة، فيما أفاد بأن إسرائيل لم تحول هذه الأموال منذ يونيو/حزيران 2025.

واجتماع المسارين هو ما يرفع مستوى المخاطر: فحجب المقاصة يستنزف موارد الموازنة وقدرة السلطة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات، فيما يهدد قطع المراسلة المصرفية قنوات الدفع والتجارة والتسوية التي يستخدمها القطاع الخاص والمصارف والمستوردون. وعند هذه النقطة، ظهر تدخل مؤسسة إسرائيلية أخرى. ففي 20 أغسطس، كشفت صحيفة "غلوبس" أن بنك إسرائيل طلب من "هبوعليم" و"ديسكونت" تأجيل إنهاء علاقتهما بالبنوك الفلسطينية لعدة أشهر، من أجل إتاحة الوقت للتوصل إلى حل دائم يمنع "الفوضى".

وبحسب تقارير وسائل إعلام عبرية، بينها صحيفة "غلوبس"، من المتوقع أن يؤجل "هبوعليم" و"ديسكونت" وقف نشاطهما المصرفي مع البنوك الفلسطينية حتى نهاية العام الجاري، وذلك عقب طلب مباشر من بنك إسرائيل لمواصلة تقديم الخدمات المالية، بهدف تجنب حدوث صدمة اقتصادية. ووفق الصحيفة، لم يُتخذ قرار نهائي حتى الآن، لكن مباحثات تجري لإتاحة استمرار هذه العلاقات.

 

من يدفع ثمن الانهيار؟

إذا انتهت العلاقات المصرفية من دون إيجاد بديل، فسيكون القطاع المصرفي الفلسطيني أول المتضررين، نتيجة الصعوبات التي ستواجه عمليات تسوية الشيقل والتحويلات والمدفوعات مع الجانب الإسرائيلي، بالتوازي مع احتمال انتقال جزء أكبر من النشاط الاقتصادي إلى التعاملات النقدية. أما القطاع الخاص، فسيواجه مشكلة أكثر مباشرة، إذ إن المستورد الفلسطيني الذي يشتري الوقود أو الغذاء أو الدواء أو المنتجات من الشركات الإسرائيلية يحتاج إلى قناة دفع وتسوية، وكلما ازدادت صعوبة التحويلات، ارتفعت تكاليف التجارة ومخاطر تأخير التوريد.

وتأتي السلطة في الطبقة الثالثة من التداعيات. لكن التحذير الأمني الإسرائيلي لا يعني أن قطع العلاقات المصرفية سيؤدي تلقائياً إلى سقوطها، وإنما، وفق الصياغة التي نقلها "واينت" عن "الشاباك"، سيزيد احتمالات انهيارها. وهو فارق مهم بين التحذير من ارتفاع مستوى الخطر وبين الحديث عن انهيار حتمي أو قريب في موعد محدد. كما لن تبقى التداعيات محصورة في الجانب الفلسطيني. فقد حذر موقع القناة 12 العبرية من أن الشركات الإسرائيلية التي تدفع أجوراً أو مستحقات لفلسطينيين، أو ترتبط معهم بعلاقات تجارية، ستواجه هي الأخرى صعوبات، الأمر الذي يجعل الانفصال المالي صدمة عابرة للحدود الاقتصادية بين الجانبين.