بقلم/ أحمد أبو قمر
حين يصبح المسمار الذي كان يباع بثمن زهيد سلعة مرتفعة الكلفة أو يتحول زيت السيارات من منتج متوفر إلى مادة يصعب العثور عليها، فنحن نتحدث عن تغير في طبيعة السوق نفسها. هذه الأمثلة الصغيرة تكشف عن "اقتصاد الندرة"، حيث تصبح المشكلة الأساسية هي محدودية شديدة بالعرض وعدم انتظام الإمدادات مقارنة بالاحتياجات الفعلية للسكان.
وقد يبدو دخول مئات الشاحنات إلى قطاع غزة مؤشرا على تحسن تدفق السلع، لكن عدد الشاحنات وحده لا يكفي للحكم على حالة السوق، والأهم هو ماذا تحمل هذه الشاحنات وما الكميات وهل تصل السلع بانتظام؟
في الاقتصاد المستقر، يستطيع التاجر مواجهة النقص المؤقت من خلال المخزون أو تنويع الموردين. أما في غزة فإن اضطراب سلاسل التوريد وفرض أتاوات "التنسيقات" وارتفاع تكاليف النقل والتخزين وتراجع القدرة الشرائية، تجعل النقص أكثر حدة وأطول تأثيرا.
والأخطر أن اقتصاد الندرة يمتد أثره من ارتفاع سعر سلعة معينة إلى كفاءة الاقتصاد ككل. فعندما ينشغل التاجر والمستهلك بالبحث عن الأساسيات وتأمينها تتراجع القدرة على التخطيط والاستثمار ويصبح رأس المال أكثر ميلا إلى تخزين السلع بدلا من توجيهه إلى أنشطة إنتاجية.
ومع الوقت، يمكن أن تتحول الندرة المؤقتة إلى سلوك اقتصادي دائم، تُبنى عليه قرارات الشراء والتسعير والتخزين فتزداد تكلفة النشاط الاقتصادي حتى عندما تتحسن بعض ظروف الإمداد.
ويتغير سلوك المستهلك مع استمرار الندرة، فيُصلح ما كان يستبدله ويعيد استخدام ما لديه ويخزن ما يستطيع ويبحث عن بدائل حتى لو كانت أقل كفاءة. لذلك، فإن معالجة الأزمة يكون بضمان استمرارية الإمدادات وتنوع السلع وانسيابها بين المناطق ووقف الأتاوات وتقليل تكاليف النقل والوساطة وتحسين شفافية التوزيع.

