اليوم السبت ٠٥ سبتمبر ٢٠٢٦م

غزة أمام الاختناق الاقتصادي الهيكلي..71.4 مليار دولار لإعادة الإعمار… لكن السؤال الأهم: كيف نعيد بناء اقتصاد قادر على الإنتاج؟

أمس, ١٢:٠٤:٤٦ م
محمود القشاش

بقلم: محمود محمد القشاش – باحث اقتصادي

لم تعد الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة تقتصر على تدمير المباني والمنشآت أو نقص السيولة والسلع، بل تحولت إلى اختناق اقتصادي هيكلي طال معظم حلقات الدورة الاقتصادية في آن واحد، بما في ذلك رأس المال، والإنتاج، وسوق العمل، والتجارة، والطاقة، والبنية التحتية، والتمويل، والطلب المحلي.

وتكمن خطورة المرحلة المقبلة في أن إعادة بناء المنازل والطرق والمستشفيات والمدارس، رغم ضرورتها الإنسانية، لا تعني بالضرورة إعادة بناء الاقتصاد.

فقد يمتلك الاقتصاد مباني جديدة، لكنه لا يستطيع الاستمرار من دون مصانع عاملة، ومزارعين منتجين، وقطاع خاص مستثمر، وعمال يحصلون على دخول، وأسواق مفتوحة، ونظام مالي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي.

 

أرقام تكشف حجم الانهيار

يقدم التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات في غزة، الذي أعدته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتعاون مع البنك الدولي في أبريل/نيسان 2026، صورة غير مسبوقة عن حجم الكارثة الاقتصادية.

فقد قُدرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، بينما بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية نحو 22.7 مليار دولار، ليصل إجمالي الأضرار والخسائر إلى نحو 57.9 مليار دولار.

أما احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال العقد المقبل، فقد قُدرت بنحو 71.4 مليار دولار، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى، بهدف استعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية، ودعم التعافي الاقتصادي.

لكن المؤشر الأكثر دلالة اقتصادياً يتمثل في انكماش الناتج الحقيقي في غزة بنحو 83% عام 2024. ورغم أن عام 2025 شهد ارتفاعاً يتجاوز 30% في الناتج الحقيقي مقارنة بالعام السابق، فإن هذا الارتفاع يعكس بدرجة كبيرة أثر قاعدة الانطلاق المنخفضة، وليس عودة الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي.

وبعبارة أخرى، فإن ارتفاع الناتج بعد انهيار بنسبة 83% لا يعني أن الاقتصاد تعافى، بل قد يعني أنه بدأ يتحرك من مستوى شديد الانخفاض.

 

الاختناق الأول: انهيار رأس المال

لا يستطيع الاقتصاد الإنتاج من دون رأس مال.

فالمصنع يحتاج إلى مبنى وآلات وكهرباء ومواد خام، والمزارع يحتاج إلى أرض ومياه ومعدات ومدخلات إنتاج، والتاجر يحتاج إلى مخازن ووسائل نقل وتمويل، والعامل يحتاج إلى منشأة يستطيع العمل فيها.

غير أن حجم الدمار ألحق أضراراً واسعة بهذه القاعدة الإنتاجية.

فقد بلغت أضرار قطاع التجارة والصناعة وحده نحو 6.35 مليار دولار، بينما بلغت أضرار النقل نحو 3.2 مليار دولار، والمياه والصرف الصحي نحو 1.7 مليار دولار. أما الإسكان، فاستحوذ على نحو 18 مليار دولار من الأضرار، أي ما يقارب 51% من إجمالي الأضرار المادية.

وهذا يعني أن المشكلة لا تقتصر على فقدان «الأصول»، بل تمتد إلى فقدان القدرة على استخدام هذه الأصول في إنتاج السلع والخدمات.

 

الاختناق الثاني: سوق العمل

ربما يكون سوق العمل الحلقة الأكثر خطورة.

فوفقاً لتقييم عام 2026، فقد ما يقارب ثلاثة أرباع السكان العاملين قبل الحرب وظائفهم، وانخفضت نسبة العمالة إلى السكان في غزة إلى نحو 9.3%.

كما أصبح أكثر من 80% من العاملين غير قادرين على العمل بسبب تدمير أماكن العمل والطرق، وتعطل وسائل النقل، وانقطاع الكهرباء، ونقص الإمدادات.

وتشير بيانات البنك الدولي الواردة في تقريره الاقتصادي لعام 2026 إلى أن البطالة في غزة بلغت نحو 78% عام 2025، في حين كان أكثر من 90% من السكان في سن العمل بلا وظيفة.

وهنا يتحول الاقتصاد إلى حلقة مفرغة:

تدمير المنشآت → فقدان الوظائف → انخفاض الدخل → تراجع الطلب → ضعف الاستثمار → إغلاق مزيد من المنشآت → ارتفاع البطالة.

وهذا هو جوهر الاختناق الهيكلي.

 

الاختناق الثالث: اقتصاد المساعدات

تظل المساعدات الإنسانية ضرورية لمنع الموت والجوع والانهيار الاجتماعي، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل الاقتصاد.

فثمة فرق جوهري بين حصول المواطن على مساعدة غذائية وحصوله على دخل من وظيفة منتجة.

فالأولى تحافظ على الحياة، أما الثانية فتسهم في إعادة بناء الاقتصاد.

لذلك، ينبغي أن تنتقل استراتيجية التعافي تدريجياً من:

الإغاثة → إلى التعافي → إلى الإنتاج → إلى الاستثمار.

وإلا فقد تبقى غزة عالقة في نموذج اقتصادي يعتمد على التدفقات الخارجية لتمويل الاستهلاك، بدلاً من بناء قدرة محلية على توليد الدخل.

 

الاختناق الرابع: التجارة وسلاسل الإمداد

لا يمكن لاقتصاد غزة أن يتعافى في ظل انقطاع مستمر في تدفق المواد الخام، والآلات، وقطع الغيار، والوقود، والسلع الوسيطة.

فحتى المصنع الذي لم يتعرض للتدمير قد يظل متوقفاً إذا لم يتمكن من استيراد المواد الخام أو تصدير منتجاته.

لذلك، فإن حرية حركة الأشخاص والبضائع ومواد إعادة الإعمار ليست قضية لوجستية فحسب، بل تمثل سياسة اقتصادية أساسية.

وقد أكد تقييم الأمم المتحدة والبنك الدولي أن حرية حركة الأشخاص والبضائع ومواد إعادة الإعمار، إلى جانب وجود نظام مالي شفاف وفعال، تعد من الشروط الضرورية لنجاح التعافي وإعادة الإعمار.

 

الاختناق الخامس: تراجع الطلب والاستثمار

عندما يفقد مئات الآلاف وظائفهم، تنخفض القوة الشرائية.

 

وعندما ينخفض الطلب، يتردد المستثمر في تشغيل مصنع أو متجر جديد.

وعندما يتراجع الاستثمار، لا تُخلق وظائف جديدة.

وهكذا يدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة:

بطالة مرتفعة → دخل منخفض → طلب ضعيف → استثمار منخفض → إنتاج ضعيف → بطالة أعلى.

وهذه الدائرة أخطر من مجرد نقص الأموال؛ لأنها تعني أن حتى الأموال التي تدخل الاقتصاد قد لا تتحول تلقائياً إلى نمو مستدام.

 

لماذا لا تكفي الـ71.4 مليار دولار؟

قد يبدو الرقم ضخماً، لكنه لا يعني أن ضخ 71.4 مليار دولار في الاقتصاد سيعيد غزة تلقائياً إلى مسار النمو.

فالأموال وحدها لا تكفي.

إذا جرى إنفاقها على إعادة بناء المباني فقط، فقد نحصل على بنية عمرانية أفضل، لكننا قد لا نحصل بالضرورة على اقتصاد أفضل.

المطلوب هو تحويل أموال الإعمار إلى رأس مال إنتاجي.

أي إن كل دولار يُنفق ينبغي أن يؤدي وظيفتين متلازمتين:

إعادة بناء الأصل + إعادة تشغيل الاقتصاد.

فعلى سبيل المثال، يجب أن تترافق إعادة بناء منطقة صناعية مع تمويل المصانع، وتوفير الطاقة، وإعادة تأهيل العمال، وتسهيل إدخال المواد الخام، وربط الإنتاج بالأسواق.

 

الحل: إنشاء «خطة مارشال اقتصادية» لغزة

لا يكمن الحل في مشروع إعمار تقليدي، بل في برنامج اقتصادي متكامل يمتد لعشر سنوات.

أولاً: إنشاء صندوق لإعادة بناء الاقتصاد

إلى جانب تمويل البنية التحتية، ينبغي إنشاء صندوق متخصص في:

- تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

- إعادة تشغيل المصانع.

- تمويل المزارعين.

- إعادة بناء سلاسل الإنتاج.

- توفير رأس المال العامل.

- منح قروض ميسرة للقطاع الخاص.

- دعم الشركات الناشئة وقطاع التكنولوجيا.

 

ثانياً: إعطاء الأولوية للقطاعات المنتجة

ينبغي ألا تتوزع الأموال بالتساوي بين جميع القطاعات.

 

بل يجب أن تُمنح الأولوية للقطاعات القادرة على خلق الوظائف والدخل، وفي مقدمتها:

الصناعة الغذائية – الزراعة – البناء – الطاقة الشمسية – الخدمات الرقمية – الاتصالات – الصناعات الخفيفة – إعادة التدوير – الخدمات اللوجستية.

 

ثالثاً: برنامج «العمل مقابل الإعمار»

بدلاً من أن تقتصر عملية إعادة الإعمار على إسناد العقود إلى شركات خارجية، ينبغي تحويلها إلى أكبر برنامج تشغيل فلسطيني.

فكل مشروع لإعادة بناء الطرق، وشبكات المياه، والمساكن، والمدارس، يمكن أن يتحول إلى مشروع يوفر آلاف الوظائف.

وبذلك تتحول أموال الإعمار إلى:

بنية تحتية + أجور + دخل + استهلاك + ضرائب + إنتاج.

 

رابعاً: إعادة بناء القطاع الخاص

سيكون القطاع الخاص المحرك الأساسي للتعافي على المدى الطويل.

ولهذا، ينبغي إنشاء نظام لضمان القروض، وتأجيل الديون المتعثرة، وتوفير تمويل طويل الأجل، وإعفاء المعدات الإنتاجية من الرسوم حيثما أمكن، وتقديم حوافز للمستثمرين.

فالهدف لا يتمثل فقط في إعادة الشركات التي كانت قائمة قبل الحرب، بل في إنشاء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على الصمود.

 

خامساً: ثورة في قطاع الطاقة

لا يمكن إعادة بناء الصناعة والزراعة وقطاع المياه من دون كهرباء مستقرة.

لذلك، يجب أن تكون الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة اللامركزية جزءاً أساسياً من استراتيجية إعادة الإعمار.

فالاستثمار في الطاقة ليس إنفاقاً خدمياً فحسب، بل هو استثمار مباشر في القدرة الإنتاجية.

سادساً: إعادة بناء الإنسان قبل الحجر وبعده

تراجع مستوى التنمية البشرية في غزة بنحو 77 عاماً وفق تقييم عام 2026.

 

وهذا يعني أن الاستثمار في التعليم، والتدريب المهني، والصحة، وإعادة تأهيل القوى العاملة، يجب ألا يأتي في مرتبة تالية للإسكان.

 

فالاقتصاد يحتاج إلى:

مهندس + طبيب + فني + مبرمج + عامل ماهر + مزارع + صاحب مشروع.

إن إعادة بناء الإنسان هي التي تمنح الحجر قيمته الاقتصادية.

 

نحو نموذج اقتصادي جديد لغزة

 

لن تتمكن غزة بعد الحرب من العودة ببساطة إلى النموذج الاقتصادي الذي كان قائماً قبلها.

والمطلوب هو نموذج جديد يقوم على أربعة مبادئ:

اقتصاد منتج بدلاً من اقتصاد استهلاكي.

قطاع خاص قوي بدلاً من الاعتماد المفرط على المساعدات.

اقتصاد رقمي وخدماتي إلى جانب الصناعة والزراعة.

طاقة وبنية تحتية مرنة قادرة على تحمل الصدمات المستقبلية.

الخلاصة: المعركة الحقيقية ليست إعادة بناء غزة… بل إعادة بناء قدرتها على الإنتاج

 

تكشف أرقام تقييم عام 2026 عن واقع صادم:

35.2 مليار دولار أضرار مادية.

22.7 مليار دولار خسائر اقتصادية واجتماعية.

57.9 مليار دولار إجمالي الأضرار والخسائر.

71.4 مليار دولار احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال عقد.

84% انكماش اقتصادي وفق التقييم النهائي.

78% بطالة عام 2025 وفق البنك الدولي.

9.3% فقط نسبة العمالة إلى السكان.

77 عاماً من التراجع في مسار التنمية البشرية.

لكن أخطر رقم ليس مالياً.

فأخطر رقم هو 9.3%؛ لأنه يعكس مدى انهيار العلاقة بين السكان والعمل والإنتاج.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام غزة لا يقتصر على السؤال التالي:

 

«من سيدفع تكلفة إعادة الإعمار؟»

بل يتمثل في السؤال الأهم:

«كيف نحول عشرات المليارات من الدولارات إلى اقتصاد ينتج عشرات المليارات من الدولارات مستقبلاً؟»

فإذا أُعيد بناء المنازل دون المصانع، والطرق دون الأسواق، والمدارس دون فرص العمل، والبنية التحتية دون الاستثمار، فإننا سنعيد بناء الأصول من دون إعادة بناء الاقتصاد.

أما إذا جرى توجيه أموال الإعمار نحو بناء الإنسان، ورأس المال، والطاقة، والإنتاج، والتجارة، والقطاع الخاص، فقد تتحول كارثة غزة الاقتصادية إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد فلسطيني أكثر إنتاجية وتنويعاً وقدرة على الصمود.

غزة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار ما دُمّر؛ بل تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها من الجذور.