بقلم/ محمود صبرة
التجويع في قطاع غزة لا يمكن اختزاله في منع شاحنة أو السماح بدخول أخرى. إنه منظومة اقتصادية وسياسية متكاملة لإنتاج الندرة وإدارة الوصول إلى الغذاء: التحكم في حجم المعروض، وتركيبته، وقنوات توزيعه، وأسعاره، والسيولة اللازمة لشرائه، بالتوازي مع تدمير مصادر الدخل والإنتاج المحلي.
المسؤولية الأساسية تقع على إسرائيل، لأنها الطرف الذي يملك القدرة الحاسمة على التحكم في المعابر والتدفقات والحركة والواردات ومدخلات الإنتاج. لكن تحميل إسرائيل المسؤولية الأساسية لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء بقية الأطراف من مسؤولياتها.
فحين تُحصر السلع في قنوات محدودة، وتتحول الندرة إلى أرباح استثنائية، ويستفيد تجار ووسطاء من السوق السوداء أو من علاقاتهم بالجهات المسيطرة على التدفقات، فإننا أمام Scarcity Rents؛ أي أرباح ناشئة من الندرة المصطنعة لا من النشاط الإنتاجي الطبيعي. وإذا كانت جهات فلسطينية رسمية أو محلية تعرف بهذه الممارسات ولا تتخذ إجراءات جدية للرقابة والمحاسبة ومنع الاحتكار، فإنها تتحمل مسؤولية سياسية ومؤسسية عن ترك آثار التجويع تتفاقم.
والسلطة الفلسطينية مطالبة، ضمن ما تملكه من صلاحيات قانونية ومصرفية وإدارية، بأن تستخدم أدواتها ضد الاحتكار والمضاربة والتجار المستفيدين من علاقات غير شفافة مع منظومة الاحتلال، بدل أن يبقى المواطن وحده في مواجهة الأسعار والسوق السوداء.
وتتحمل المصارف كذلك مسؤولية اجتماعية ومؤسسية عندما تستمر، في ظروف انهيار الدخل والحرب، في اقتطاع أقساط أو رسوم أو تقييد حسابات وعمليات سحب دون مراعاة استثنائية لحالة السكان. فحين تكون السيولة شبه معدومة وتصل تكلفة الحصول على النقد إلى مستويات شديدة الارتفاع، تصبح الإجراءات المصرفية جزءًا من Monetary Bottleneck يخنق القدرة الشرائية للأسر.
كما أن اللجنة الإدارية المفترض أن تدير شؤون القطاع لا يمكن أن تبقى مجرد عنوان بلا أثر ملموس. فالمعيار ليس البيانات والتصريحات، بل القدرة على التدخل في قضايا الأسعار، والاحتكار، والتوزيع، والسيولة، والصحة العامة، والمدخلات الأساسية. وكل شهر يمر من دون منظومة رقابة أو حماية اجتماعية فعالة يترك السكان أكثر انكشافًا أمام الجوع والاستغلال.
أما المؤسسات الدولية والمحلية العاملة في الإغاثة، فليس المطلوب مهاجمتها بصورة جماعية، بل إخضاعها لمعيار بسيط: الشفافية، وقابلية التدقيق، وعدالة التوزيع، والإفصاح عن الكميات والمستفيدين وقنوات التسليم. غياب هذه المعايير يسمح للفساد والمحسوبية وإعادة البيع بالتسلل إلى منظومة المساعدات، حتى عندما تكون المؤسسة نفسها ذات هدف إنساني.
ويتحمل الإعلام الفلسطيني والعربي والدولي مسؤولية أخرى. التركيز على عدد الشاحنات أو صور الطرود الغذائية قد يخلق انطباعًا مضللًا بأن المشكلة حُلّت، بينما الأمن الغذائي لا يقاس بوجود الطعام فقط، بل بأربعة أبعاد: التوافر، والوصول، والاستخدام الغذائي، والاستقرار. يمكن أن تدخل الأغذية إلى غزة ويبقى الناس جائعين لأن الأسعار فوق طاقتهم، أو لأن الأغذية غير متنوعة، أو لأن التوزيع غير عادل، أو لأنهم لا يملكون نقدًا صالحًا للشراء.
وإذا كان ما يسمى "مجلس السلام" أو أي إطار دولي أو سياسي جديد يدّعي أن هدفه حماية المدنيين أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب، فإن صمته عن هندسة السوق والغذاء والسيولة لا يمكن اعتباره مسألة ثانوية. فالتعامل مع غزة باعتبارها مشكلة «مساعدات» فقط، بدل التعامل معها كمشكلة حقوق اقتصادية وحرية وصول وإنتاج وسيادة على التدفقات، يعيد إنتاج المنظومة ذاتها بأسماء جديدة.
لقد شهدت غزة قبل الحرب الحالية سوابق موثقة في إدارة أنواع وكميات السلع، ومن بينها وثيقة “Red Lines” لعام 2008، كما عرف الحصار لسنوات سياسة قوائم السلع والقيود على المدخلات. واليوم أصبحت الآلية أكثر خطورة بفعل تدمير الإنتاج المحلي، وانهيار الدخول، والبطالة، والتضخم، والاختناق النقدي.
لذلك يمكن فهم ما يجري اقتصاديًا باعتباره تفاعلًا بين:
Engineered Scarcity ندرة مُدارة أو مفروضة،
وEntitlement Failure انهيار قدرة الناس على الحصول على الغذاء،
وScarcity Rents أرباح استثنائية من الندرة،
وMonetary Bottleneck خنق القدرة على تحويل المال إلى قوة شرائية.
المسؤولية الأساسية تبقى على الاحتلال الذي يمتلك أدوات السيطرة الرئيسية، لكن المسؤولية لا تنتهي عنده. كل جهة تملك قدرة حقيقية على التدخل ثم تمتنع عن استخدامها، وكل جهة تستفيد ماديًا من الندرة، وكل مؤسسة تحجب المعلومات أو تمنع الرقابة، وكل بنك يفاقم الاختناق المالي دون ضرورة، وكل جهاز إعلامي يحوّل الأزمة إلى أرقام شاحنات بدل كشف بنيتها الاقتصادية، يتحمل نصيبًا من المسؤولية السياسية والأخلاقية والمؤسسية عن استمرار الكارثة.
الجوع هنا ليس مجرد غياب للطعام. الجوع هو أن يوجد الطعام، ثم تُبنى حول الإنسان منظومة تمنعه من الوصول إليه.
وهذه، في جوهرها، هي أخطر صور التجويع المنهجي.

