بقلم/ د. ماجد أبودية- اقتصادي وباحث في اقتصاديات التنمية والشمول المالي
لم يعد الحديث عن احتمال تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لعقوبات دولية مجرد سيناريو افتراضي يُطرح في الأوساط السياسية أو الاقتصادية، بل أصبح جزءًا من النقاش العام داخل إسرائيل نفسها، في ظل تصاعد الضغوط الأوروبية، وتنامي المخاوف من اتساع نطاق الإجراءات الغربية، واحتمالات تغير طبيعة الدعم الأمريكي، وصولًا إلى التساؤل عن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على مواصلة عمله بكفاءة إذا امتدت العقوبات إلى القطاع المصرفي وقنوات الدفع الدولية.
وقد اكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بعد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في مقابلة بثت يوم 23 أكتوبر 2026، أقر فيها بإمكانية فرض عقوبات مصرفية على إسرائيل، ودعا إلى الاستعداد لبناء اقتصاد بديل قادر على التعامل مع القيود المحتملة، مشيرًا إلى العملات الرقمية وتقنية البلوك تشين بوصفهما أحد الخيارات المطروحة، كما حذّر من أن المساعدات العسكرية الأمريكية لن تستمر بالضرورة بالمستويات السابقة.
هذه التصريحات تعكس جدية انتقال النقاش من كيفية احتواء الضغوط الاقتصادية الراهنة إلى كيفية الاستعداد لاحتمال تضرر بعض القنوات التي يستند إليها الاقتصاد الإسرائيلي في علاقته بالنظام المالي العالمي.
فالضغوط الأوروبية تستمد أهميتها من الوزن النسبي للاتحاد الأوروبي في التجارة الخارجية الإسرائيلية، فوفقًا للمفوضية الأوروبية، بلغ حجم تجارة السلع بين الطرفين نحو 42.6 مليار يورو في عام 2024، فيما استحوذ الاتحاد الأوروبي على نحو 32% من صادرات إسرائيل السلعية، ولا تقتصر هذه العلاقة على تبادل المنتجات، بل تمتد إلى الاستثمار والتكنولوجيا والبحث العلمي والخدمات والتعاون المؤسسي.
في سبتمبر 2025، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق بعض الأحكام التجارية التفضيلية في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بما يتيح إعادة فرض الرسوم الجمركية على سلع كانت تستفيد من المعاملة التفضيلية. كما طُرحت إجراءات تتعلق بالدعم الثنائي والتعاون المؤسسي، إلى جانب تدابير تستهدف أشخاصًا وجهات محددة
ويمكن تصنيف الضغوط الاقتصادية المحتملة على إسرائيل ضمن خمسة مسارات رئيسية:
1. تقييد التجارة والامتيازات الجمركية: فتعليق المعاملة التجارية التفضيلية يؤدي إلى زيادة تكلفة دخول المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الأوروبية، بما قد يضعف تنافسيتها ويضغط على هوامش أرباح الشركات المصدرة.
2. تقييد تجارة منتجات المستوطنات: يوجّه هذا المسار الضغط إلى النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع احتمال اتساع التداعيات التجارية والقانونية بحسب نطاق الإجراءات وآليات تنفيذها.
3. تعليق أجزاء من اتفاقية الشراكة: يمثل هذا المسار خطوة أوسع من استهداف منتجات محددة، إذ قد يحد من الامتيازات التي يستفيد منها الاقتصاد الإسرائيلي في علاقته بالسوق الأوروبية.
4. تقييد الدعم والتعاون المؤسسي: حيث يؤدي تقليص بعض أشكال الدعم أو تعليق برامج التعاون إلى زيادة تكاليف البحث والتطوير والتعاون المؤسسي، بحسب طبيعة البرامج المستهدفة.
5. العقوبات المالية والمصرفية: وهي الأكثر حساسية من الناحية الاقتصادية؛ لأنها قد تستهدف أشخاصًا أو مؤسسات محددة، أو تمتد في سيناريو أشد إلى قنوات التحويلات والتمويل والمراسلات المصرفية
والفارق بين هذه المسارات جوهري: فالعقوبات التجارية ترفع تكلفة التعامل مع سوق معينة، بينما يمكن للقيود المصرفية الواسعة أن تؤثر في قدرة الشركات على تحصيل أثمان صادراتها، وتمويل وارداتها، وتسوية التزاماتها، والحصول على الائتمان والتأمين التجاري.
تعتمد الاقتصادات الحديثة على شبكة مترابطة من البنوك المحلية والمراسلة، وأنظمة المقاصة والتسوية، وخطوط الائتمان، والتأمين، والتحويلات العابرة للحدود، وتتيح هذه الشبكة للشركات استيراد المواد الخام والمعدات، وتصدير السلع والخدمات، ودفع الرواتب، وإدارة السيولة، وتنفيذ العقود الدولية، وفي حال فرض قيود مصرفية واسعة على إسرائيل، فإن الخطر لن يقتصر على البنوك كونها مؤسسات مالية، بل قد يمتد إلى الشركات الصناعية والتكنولوجية، والمستوردين والمصدرين، والمستثمرين، والمؤسسات التي تعتمد على التمويل الدولي، وقد تتخذ التداعيات صورًا متعددة، منها ارتفاع تكاليف التحويلات والتأمين والتمويل، وزيادة مخاطر الامتثال القانوني، وتراجع استعداد بعض المؤسسات المالية الأجنبية للتعامل مع جهات إسرائيلية خشية التعرض لعقوبات ثانوية أو مخاطر قانونية وسمعة مؤسسية.
لكن الاقتصاد الإسرائيلي يستمد قوته بدرجة كبيرة من اندماجه في الأسواق العالمية، وإلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والبحث العلمي والخدمات، فضلًا عن قدرته على جذب رؤوس الأموال والخبرات والاستثمارات الأجنبية.
ورغم ذلك نتنياهو يبحث عن مخرج رقمي من العزلة المصرفية المتوقعة
فقد اصدر توجيهات بإعداد خطة للتعامل بالعملات الرقمية وتقنية البلوك تشين في مواجهة العقوبات المصرفية المحتملة، وهذا يمثل تطورًا لافتًا في الخطاب الاقتصادي الإسرائيلي، حيث يكشف عن أن المخاوف لم تعد محصورة في ارتفاع الرسوم الجمركية أو تراجع الصادرات، بل امتدت إلى احتمال تضرر قنوات الدفع والتمويل التي يعتمد عليها الاقتصاد الإسرائيلي في علاقته بالعالم.
و هذا يطرح سؤالًا جوهريا، حول قدرة التكنولوجيا المالية تعويض العلاقات المصرفية الدولية إذا تعرضت للقيود؟
الإجابة الاقتصادية أن العملات الرقمية قد توفر قنوات إضافية للتحويل والتسوية في ظروف محددة، لكنها لا تستطيع بمفردها توفير شبكة متكاملة من الائتمان والتأمين التجاري وتمويل الواردات وقبول المدفوعات من الشركات الأجنبية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بكيفية نقل الأموال، بل بقدرة الأطراف الأخرى على قبولها وتحويلها واستخدامها قانونيًا.
ومن هنا، تكمن المفارقة في أن البحث عن بديل رقمي لمواجهة العزلة المصرفية قد يعالج جانبًا تقنيًا محدودًا، لكنه لا يعالج الأسباب الاقتصادية والسياسية التي قد تؤدي إلى فرض العقوبات، ولا يضمن استمرار الثقة الدولية بالمؤسسات المالية الإسرائيلية.
إن أخطر دلالات تصريح نتنياهو ليست في احتمال اعتماد العملات المشفرة بحد ذاته، بل في اعترافه بأن إسرائيل باتت مضطرة إلى الاستعداد لسيناريو قد تتعرض فيه إحدى ركائز اندماجها الاقتصادي العالمي للتهديد، وهذا ما يجعل العزلة المصرفية المحتملة قضية استراتيجية تتجاوز حدود التكنولوجيا المالية إلى مستقبل النمو والاستثمار والتجارة في إسرائيل.

