بقلم د. محمد سالم أبو يوسف- باحث أكاديمي وخبير مالي
هل تتخيل أن تدخل إلى مؤسسة ما فتستقبلك رائحة الروتين القاتل وتستغرق في نوبة ضحك هيستيري وأنت تقرأ التعاميم والقرارات الصادرة من غرف أصحاب القرار في البرج العاجي.
إن الأسوأ من العمل تحت إدارة صارمة هو أن تجد المؤسسة بأكملها رهينة في يد توليفة كارثية وموجعة للرأس .. مسئول أهطل في أعلى الهرم ومدير مهزّأ في التنفيذ! هذان النموذجان لا يمثلان مجرد صدفة إدارية عابرة بل هما بمثابة خلطة سحرية لتحويل أي مؤسسة ناجحة إلى مجرد سيرك إداري حيث تتطاير القرارات العشوائية في الهواء وتتحول هيبة المنصب إلى مادة دسمة للنكات والتندر بين الموظفين.
إن ثنائية الدمار تتحقق عندما يلتقي العبث بالضعف وحين يبتلى العمل بمسؤول أعلى تحركه البلاهة الإدارية والقرارات العشوائية دون إدراك لعواقبها وإن الكارثة تكتمل حين يتولى التنفيذ مدير مهزّأ ذلك الذي يحمل المسمى الوظيفي والسلطة الرسمية لكنه في الواقع قد أفرغ المنصب من أي وزن أو احترام.
كلمة «المهزّأ» هنا أصلها من الهُزء والسخرية فهو شخص أهدر مصداقيته بنفسه حتى أصبحت توجيهاته حبراً على ورق وعند البحث في أسباب تشكل هذه الحالة المأساوية يمكن رصد التفاصيل المضحكة المبكية التالية:
- التناقض بين الأقوال والأفعال ومسرحية الكرتون:
يصدر المدير قراراً حاسماً في الصباح الباكر ثم ينسفه بنفسه قبل استراحة الظهيرة دون أي مبرر موضوعي سوى أن خاطراً طرأ على باله! والنتيجة تبخر ثقة الفريق في كل ما يقول وأصبح الموظفون يتعاملون مع توجيهاته كما لو كانت مسلسلات كرتونية لا تؤخذ على محمل الجد.
- التهديد الأجوف وموضة الوعيد الفارغ:
يكرر المدير المهزأ أسطوانة العقاب والمحاسبة والخطوط الحمراء فإذا وقعت التجاوزات وتكررت المخالفات ابتلع تهديداته وابتسم بارتباك ليتأكد الجميع أن صوته العالي لم يكن سوى زوبعة في فنجان.
- مرض إرضاء الجميع:
يهرب من المواجهات الضرورية كالمستجير من رمضاء العمل الحقيقي ويخشى اتخاذ القرارات الحازمة خوفاً من عتب فلان أو غضب علان وبدلاً من تحقيق العدالة وضبط الإيقاع يمارس سياسة الخضوع للجميع فيخرج الكل ساخطين عليه وتدفع المؤسسة ثمن هذا التردد.
- سياسة التعجين تحت الضغط:
يتغير شكل قراراته وموقفه أسرع من الحرباء فقط لأن أحدهم تجهم في وجهه أو مارس عليه القليل من الضغط ولقد علم فريقه بامتياز أن الضغط يولد التراجع فبات كل موظف يمارس حيله الخاصة ليغير التوجيهات لصالح منفعته الشخصية.
- التساهل المبتذل وتلاشي الحدود:
يتغاضى المهزأ عن المهزلة والسلوكيات غير المهنية تحت شعار نحن عائلة واحدة ودعونا نكون مرنين! والنتيجة تراجع مستويات الانضباط وتتبخر الحدود المهنية حيث يصبح الموظف الملتزم والجاد هو الكائن الغريب الوحيد في هذا الوسط العبثي.
وختاما فإن الحزم لا يعني التسلط والإرهاب الإداري وكذلك المرونة لا تعني الضعف والميوعة والتواضع والاعتراف بالأخطاء ليسا دليلاً على فقدان الهيبة بل يعكسان نضجاً قيادياً راقياً.
فالمدير الفعّال هو من يجمع بين وضوح المبادئ وعدالة القرارات والقدرة على تحمل المسؤولية وبناء جسور الثقة مع فريقه دون حاجة لصراخ أو تراجع.
وتذكر دائماً أن المنصب يمنحك السلطة الرسمية لكنه لا يشتري لك الاحترام.
وقد ينفذ الموظفون التعليمات المباشرة بحكم الأمر الواقع وتجنبا للمشاكل لكن ذلك لا يعني اقتناعهم بقيادة هشة فالقيمة القيادية الحقيقية لا تبنى بالخوف ولا بالتساهل المبتذل بل بالمصداقية والكفاءة والعدل والثبات على المبادئ.
ومع ذلك فإن العدالة تقتضي الإشارة إلى أن فقدان احترام الفريق لا يكون دائماً بسبب ضعف المدير وحده فقد يرتبط أحياناً بثقافة تنظيمية غير صحية أو سلوكيات غير مهنية أصلها الغرور والتمرد داخل بيئة العمل نفسها.

