اليوم الأربعاء ١٧ يونيو ٢٠٢٦م

كيف كشفت أزمة "الأورومتوسطي" حقيقة الضغوط الإسرائيلية على بنوك غزة؟

اليوم, ٦:١٨:٥٣ م
بنوك غزة
الاقتصادية

رام الله - الاقتصادية:

يتعرض قطاع غزة، منذ سنوات طويلة تسبق الحرب الحالية، لحملة خنق إسرائيلية ممنهجة ومدروسة تشمل كافة القطاعات والمؤسسات دون استثناء. وفي صدارة المستهدفين، كان القطاع المصرفي الفلسطيني الذي واجه سلسلة متواصلة من الضغوط والقيود المشددة، بما في ذلك تقييد التحويلات المالية، التهديد بقطع العلاقات البنكية والمراسلة، وفرض اشتراطات صارمة على حركة السيولة والخدمات المالية.

وفي ظل هذا الواقع المعقد وغياب أي حماية فعلية أو غطاء سيادي وأمني يحمي البنوك من هذه المخاطر المحدقة، ركزت المؤسسات المصرفية الفلسطينية في عملياتها على الالتزام الصارم بقواعد الامتثال للأنظمة البنكية العالمية، مستثمرةً بشكل مكثف في إدارة المخاطر لضمان استمرارية عملها، وحماية موظفيها وأصولها، ورعاية مصالح عملائها والمواطنين.

مفارقة المرصد الأورومتوسطي: تجرع الكأس ذاتها

تجلت أبعاد هذه الهجمة الشرسة مؤخراً مع إعلان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن إغلاق مكتبه في قطاع غزة بعد 15 عاماً من العمل الميداني، وجاء هذا القرار إثر حملة تشويه وتحريض إسرائيلية منظمة قادها وزراء ومسؤولون إسرائيليون، ورافقتها تهديدات بالقتل استهدفت طاقمه الميداني.

هذا التطور يعكس مفارقة صارخة؛ فإلى وقت قريب، لم يتردد رئيس المرصد الأورومتوسطي في توجيه انتقادات لاذعة وحادة إلى القطاع المصرفي والبنوك الفلسطينية العاملة في غزة، متّهمًا إياها بالانصياع للضغوط الإسرائيلية والخضوع لإجراءات التقييد والامتثال العالمية، محملًا إياها مسؤولية التراجع أمام تلك التهديدات.

لكن المفارقة اليوم تكمن في أن المرصد نفسه وجد نفسه مجبراً على مواجهة الواقع ذاته وتجرع الكأس نفسها، بعدما اصطدم مباشرة بالآلة القمعية الإسرائيلية التي قلل البعض سابقاً من قدرتها على فرض الخنق والتركيع، ليقع في الفخ ذاته الذي ينصبه اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة وزير المالية "بتسلئيل سموتريتش"، والذي يهدف بشكل معلن إلى تفكيك كافة مقومات الحياة ومؤسساتها في قطاع غزة وتصفية وجودها.

أدوات مشتركة وضحية واحدة

إن تتبع خلفيات الإغلاق القسري لمكتب المرصد يوضح تشابه الأدوات الإسرائيلية المستخدمة ضد كل ما هو فلسطيني؛ فالضغوط وحملات التحريض التي تعرض لها المرصد عقب تقاريره الحقوقية، تشابه تماماً الضغوط الاقتصادية والمالية التي تمارسها حكومة الاحتلال على البنوك لقطع شريان الحياة عن غزة.

هذه الأزمة تبرهن بوضوح على أن خيارات الصمود أمام ترسانة العقوبات والمصادرات الإسرائيلية تبدو شبه مستحيلة لأي جبهة تعمل بلا ظهر أمني، أو سيادي، أو قانوني يحميها، سواء كانت منظمة حقوقية دولية، أو منشأة مالية ومصرفية محلية.

ومن هنا، تتبلور الحقيقة الراسخة بأن جميع هذه المؤسسات هي ضحايا لهذا الاحتلال، وأصبح من التجني والظلم تحميل القطاع المصرفي الفلسطيني أي مسؤولية عن قرارات قسرية وإجراءات امتثال اتُخذت تحت وطأة سيف التهديد ذاته الذي أطاح مؤخراً بمنظمات حقوقية بارزة في الضفة والقطاع.

شريان الحياة رغم البيئة القهرية

على الرغم من هذه البيئة المعقدة والقهرية، بادرت البنوك والمصارف الفلسطينية فور استقرار الأوضاع ميدانياً في قطاع غزة إلى إعادة فتح فروعها، وبذلت جهوداً استثنائية لتقديم الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين الأساسية. لقد أثبت القطاع المصرفي أنه يمثل شريان الحياة الحقيقي للغزيين في هذه الظروف الصعبة، مستمراً في مواجهة الضغوط الإسرائيلية، ومحاولات الزج به في أتون المناكفات السياسية التي تحرص البنوك بكل السبل على النأي بنفسها عنها لضمان سلامة وأموال جمهور المواطنين.

خلاصة الرأي والموقف

يؤكد مراقبون ومحللون أن هذه التجربة المشتركة والمريرة تأتي لتوحيد الصف الداخلي، وتؤكد بشكل قاطع أن "لوم الضحية" والتشكيك في صمود المؤسسات الوطنية الفلسطينية لا يخدم في النهاية سوى رواية الاحتلال، الذي يسعى جاهداً لتفكيك الجبهة الداخلية وعزل غزة مالياً وحقوقياً وإنسانياً عن العالم الخارجي.