غزة/ الاقتصادية
تفرض إسرائيل سيطرة مطلقة على المعابر التجارية الواصلة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتتسبب الإغلاقات المتكررة والعدوان المستمر في توقف أو تقييد دخول السلع الأساسية والمواد الغذائية بشكل كامل أو جزئي.
وفي هذا السياق يقول الباحث الاقتصادي أنور عطالله، إن الاقتصاد الفلسطيني لم يكن في يوم من الأيام اقتصادًا تحكمه الجغرافيا وحدها، بل تأسس على وحدة السوق ووحدة المصير، حيث شكّلت الضفة الغربية وقطاع غزة جناحي اقتصاد وطني واحد، يتكامل فيه الإنتاج مع الاستهلاك، والاستثمار مع التجارة، رغم ما واجهه من تحديات سياسية وأمنية متراكمة. وعلى امتداد عقود، نجح القطاع الخاص الفلسطيني في بناء شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية بين شطري الوطن، لم تقتصر على تبادل السلع، بل تطورت إلى شراكات استراتيجية أسهمت في تعزيز الثقة، وتنشيط حركة التجارة، وخلق فرص العمل، وترسيخ أسس الاقتصاد الوطني.
ويضيف عطالله لم يكن هذا التكامل ثمرة جهود رجال الأعمال والتجار فحسب، بل دعمته مؤسسات اقتصادية وطنية لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على وحدة السوق الفلسطينية، وفي مقدمتها الغرف التجارية والصناعية، وجمعية رجال الأعمال الفلسطينيين، ومركز التجارة الفلسطيني (بال تريد)، واتحادات الصناعات، ومختلف المؤسسات الممثلة للقطاع الخاص. …….( أتقدم بخالص الامتنان، وأسمى آيات التقدير والعرفان، لكل العاملين في هذه المؤسسات الذين سطروا بأعمالهم أروع صور الإخلاص والمسؤولية ) كما ظل الاقتصاد الفلسطيني حاضرًا في المحافل الاقتصادية الدولية بجناحيه، الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يعكس وحدة الهوية الاقتصادية الفلسطينية أمام المجتمع الدولي، رغم استمرار الانقسام الجغرافي.
ويشير عطالله إلى أن هذه المنظومة الاقتصادية تعرضت مؤخرًا لانتكاسة جديدة، بعد القرار الإسرائيلي بمنع دخول المنتجات القادمة من الضفة الغربية إلى أسواق قطاع غزة، سواء كانت منتجات مصنّعة داخل الضفة الغربية أو بضائع مستوردة عبر مستوردين فلسطينيين يحملون سجلات تجارية فلسطينية. ورغم ما يُساق من مبررات لهذا القرار، فإن مضمونه الاقتصادي يكشف عن هدف أكثر عمقًا يتمثل في إعادة توجيه السوق الفلسطينية داخل قطاع غزة قسرًا نحو المنتجات الإسرائيلية، بما يعزز مبيعات الشركات الإسرائيلية، ويكرّس تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، ويقوض أي فرصة لبناء اقتصاد فلسطيني متكامل وقادر على تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي.
وأكد عطاللله أن آثار هذا القرار لا تقتصر على تعطيل حركة التجارة بين شطري الوطن، بل تمتد إلى تداعيات مالية مباشرة على المالية العامة الفلسطينية. فبموجب بروتوكول باريس الاقتصادي، تُحوَّل إلى السلطة الفلسطينية الرسوم الجمركية والضرائب المستوفاة على البضائع المستوردة عبر الموانئ والمعابر الإسرائيلية عندما تكون هذه البضائع مسجلة باسم مستورد فلسطيني مرخص. وبالتالي، فإن حرمان مستوردي الضفة الغربية من توريد بضائعهم إلى قطاع غزة يعني انخفاض حجم الواردات المسجلة بأسمائهم، وتراجع الإيرادات الجمركية والضريبية المحولة إلى الخزينة الفلسطينية، والذي أنهكتها أصلا اقتطاعات المقاصة وهو ما يزيد من الضغوط المالية التي تعانيها السلطة الفلسطينية، ويضعف قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المالية، وتمويل الخدمات العامة، والوفاء برواتب الموظفين، الأمر الذي ينعكس بدوره على مستويات الإنفاق الحكومي، والطلب الكلي، والنشاط الاقتصادي بصورة عامة.
ويتابع:" أما القطاع الخاص في الضفة الغربية، فإنه يواجه واحدة من أصعب التحديات الاقتصادية في تاريخه الحديث. فقد جاء هذا القرار في ظل ظروف استثنائية يعانيها الاقتصاد الفلسطيني، أبرزها توقف عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل، وما ترتب على ذلك من ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القوة الشرائية، وانخفاض السيولة في الأسواق. وفي ظل هذه الظروف، يشكل إغلاق سوق قطاع غزة أمام منتجات الضفة الغربية ضربة إضافية للمصانع والشركات والتجار، إذ يؤدي إلى انخفاض المبيعات، وتراجع الإنتاج، وتراكم المخزون، وتعثر العديد من المنشآت الاقتصادية، وتقليص الاستثمارات، وإغلاق بعض المصانع والشركات، وتسريح المزيد من العمال، وهو ما يفاقم معدلات البطالة والفقر ويعمق حالة الركود الاقتصادي".
ويؤكد عطالله أن خسارة سوق بحجم قطاع غزة لا تمثل مجرد خسارة تجارية، بل تعني فقدان أحد أهم المحركات الداخلية للاقتصاد الفلسطيني. فكل مصنع تنخفض مبيعاته، وكل شركة تتراجع أعمالها، ينعكس أثر ذلك على الموردين، وشركات النقل، والمخازن، والمصارف، وشركات التأمين، وسلاسل الإمداد المختلفة، لتتسع دائرة الركود وتطال قطاعات اقتصادية متعددة، في مشهد يعكس الترابط العميق بين مكونات الاقتصاد الوطني.
ومن جانب آخر، يشير عطالله إن إجبار أسواق قطاع غزة الاعتماد كليا على المنتجات الإسرائيلية (ورغم وجود تعاملات تجارية مباشرة بين بعض شركات قطاع غزة والشركات الإسرائيلية، فإنها ظلت محدودة ولم تكن بديلًا عن حركة الداخلية)، ويؤدي إلى إضعاف المنافسة داخل السوق الفلسطينية، ويمنح المورد الإسرائيلي قدرة أكبر على التحكم في الأسعار والكميات، بما يعزز مظاهر الاحتكار ويزيد من هيمنة الاقتصاد الإسرائيلي على السوق الفلسطينية. وفي نهاية المطاف، يبقى المواطن الفلسطيني هو المتضرر الأكبر، إذ يواجه ارتفاعًا في الأسعار، وتراجعًا في الخيارات المتاحة، واستمرار نزيف وتسرب الأموال الفلسطينية خارج الاقتصاد الوطني بدلًا من إعادة تدويرها وحقنها داخل الاقتصاد الفلسطيني.

