اليوم الاثنين ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦م

حماس بين قلق التمثيل وعقدة الشرعية

اليوم, ١٠:٤٣:٠٠ ص
أرشيفية

بقلم/د. محمود صبرة

من الدعوة إلى البندقية، ومن الصندوق إلى الهيمنة ثم العودة إلى الصندوق

 

قد يكون أحد أكثر المداخل قدرة على تفسير المسار السياسي لحركة حماس منذ نشأتها هو النظر إليها من زاوية القلق المزمن بشأن التمثيل والشرعية. والمقصود هنا ليس تشخيصًا نفسيًا للحركة، وإنما وصف مشكلة سياسية بنيوية صاحبتها منذ أن بدأت تتبلور كقوة مستقلة عن منظمة التحرير الفلسطينية: من يمثل الفلسطينيين؟ ومن يمتلك حق التحدث باسمهم؟ ومن يستطيع أن يثبت، أمام الفلسطينيين أولًا ثم أمام الإقليم والعالم، أنه الطرف الذي لا يمكن تجاوزه؟

 

بهذا المعنى، يمكن قراءة كثير من التحولات التي مرت بها حماس لا باعتبارها انتقالات عشوائية بين الدين والمقاومة والانتخابات والحكم، وإنما باعتبارها بحثًا متكررًا عن الأداة الأكثر قدرة في كل مرحلة على إنتاج الشرعية والمحافظة عليها.

 

الشرعية الأولى: الدين والمجتمع قبل الصراع على الدولة

 

لم تبدأ البيئة التي خرجت منها حماس كحركة عسكرية. جذورها تعود إلى جماعة الإخوان المسلمين في غزة، التي ركزت لعقود على الدعوة الدينية والعمل الاجتماعي والمؤسسات الخيرية والتربية وبناء قاعدة مجتمعية. وعندما اندلعت الانتفاضة الأولى سنة 1987، واجه الإخوان مشكلة استراتيجية: استمرارهم بالشكل التقليدي كان يهدد بفقدان موقعهم لصالح القوى التي تصدرت المواجهة الوطنية. وتشير مؤسسة الدراسات الفلسطينية إلى أن قيادة الإخوان انتقلت حينها من ما تصفه بـ«الإسلام التقليدي» إلى إطار جهادي، فتأسست حماس في ديسمبر 1987، ثم بدأت سريعًا تظهر باعتبارها إطارًا منافسًا وموازيًا لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل توسع عملها المسلح.

 

كانت الصبغة الدينية هنا مصدرًا أوليًا للشرعية. فلم تكن حماس تقول فقط إنها تقدم برنامجًا سياسيًا مختلفًا، بل كانت تقدم نفسها باعتبارها صاحبة مرجعية أخلاقية ودينية مختلفة عن القوى الوطنية والعلمانية التي هيمنت على منظمة التحرير.

 

لكن الدين وحده لم يكن كافيًا لحسم سؤال التمثيل. وكان على الحركة أن تثبت أنها تستطيع أن تفعل ما تعتقد أن القيادة التقليدية إما عجزت عنه أو تخلت عنه.

 

من هنا أصبح العمل المسلح مصدرًا ثانيًا للشرعية.

 

من شرعية العقيدة إلى شرعية الإنجاز

 

في تسعينيات القرن الماضي، ومع انتقال منظمة التحرير من الكفاح المسلح إلى عملية أوسلو والسلطة الفلسطينية، أصبح الاختلاف بين المشروعين أعمق. حماس وصفت أوسلو في أدبياتها المعارضة بأنه تفريط، بل وُصف الاتفاق في بعض أدبياتها بـ«الخيانة الكبرى». وفي الوقت ذاته، كانت منظمة التحرير والسلطة الجديدة تكتسبان شرعية دولية ومؤسسية متزايدة بوصفهما الجهة التي تتفاوض باسم الفلسطينيين.

 

وهنا ظهر مأزق حماس: إذا أصبحت منظمة التحرير هي الطرف الذي يفاوض، والسلطة هي الطرف الذي يحكم، فما الذي يجعل حماس فاعلًا لا يمكن تجاوزه؟

 

كان أحد الأجوبة هو العملية النوعية.

 

وتشكل عملية أسر الجندي الإسرائيلي نحشون فاكسمان سنة 1994 مثالًا مبكرًا شديد الدلالة. طالبت حماس بإطلاق الشيخ أحمد ياسين ونحو مئتي أسير فلسطيني. وانتهت العملية بفشل محاولة الإنقاذ الإسرائيلية ومقتل فاكسمان وثلاثة من آسريه وضابط إسرائيلي. لكن أهميتها السياسية تجاوزت نتيجتها المباشرة؛ فقد وقعت في قلب عملية أوسلو وأدخلت حماس بالقوة إلى مركز المشهد وأصبحت أزمة تهدد العلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية نفسها.

 

ومن هنا يمكن استخدام تعبير «عقدة فاكسمان»، لا باعتباره مصطلحًا علميًا موجودًا، بل مفهومًا تحليليًا: اكتشاف مبكر لقدرة العملية العسكرية النوعية على تحويل الحركة من طرف خارج النظام السياسي إلى طرف يستطيع، بواسطة حدث واحد، إعادة ترتيب جدول الأعمال الوطني.

 

غير أن فاكسمان لم يؤدِّ إلى تحرير الأسرى المطلوبين. ولذلك فإن المثال الأكثر نجاحًا لهذا النموذج جاء لاحقًا مع جلعاد شاليط. فبعد أكثر من خمس سنوات من أسره، توصلت حماس وإسرائيل سنة 2011 إلى صفقة أُفرج بموجبها عن 1,027 أسيرًا فلسطينيًا مقابل شاليط. وكانت تلك نتيجة مادية يستطيع التنظيم عرضها أمام الجمهور بصورة يصعب على منافسه السياسي مجاراتها: ما عجزت المفاوضات عن تحقيقه للأسرى، تقول رواية حماس، استطاعت المقاومة المسلحة تحقيقه.

 

وهنا يصبح ملف الأسرى أكثر من قضية إنسانية ووطنية. إنه أيضًا رأسمال شرعية.

 

عقدة التمثيل: من يمثل فلسطين؟

 

غير أن المعضلة الأعمق ظلت قائمة. فحماس تستطيع تنفيذ عمليات وإبرام صفقات، لكنها ظلت خارج الإطار الذي تدعي منظمة التحرير من خلاله أنها «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني».

 

كان الخلاف منذ وقت مبكر يتعلق أيضًا بشروط دخول حماس إلى منظمة التحرير وحجم تمثيلها فيها. وتوجد وثائق مبكرة لحوارات فتح وحماس تظهر تمسك فتح بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا وحيدًا، مقابل استعداد حماس للانتماء إلى المنظمة ولكن بعد التفاوض على نظم التمثيل ونسبه.

 

وهنا يكمن ما يمكن تسميته قلق التمثيل.

 

ليس السؤال عند حركة من هذا النوع فقط: هل لدي جمهور؟

 

بل:

 

هل يعكس وزننا في المؤسسة الرسمية وزننا الذي نعتقد أننا نملكه في المجتمع والمقاومة؟

 

فإذا أجابت الحركة بالنفي، فإن المؤسسة نفسها تصبح موضع نزاع على الشرعية.

 

2006: اكتشاف شرعية الصندوق

 

لهذا مثّل قرار حماس دخول انتخابات المجلس التشريعي سنة 2006 انقلابًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

 

الحركة التي رفضت سابقًا المشاركة في مؤسسات نشأت عن أوسلو قررت استخدام إحدى أهم آليات النظام الذي عارضته: الانتخابات. وقد لاحظ باحثون منذ ذلك الوقت أن مجرد المشاركة مثّل تغيرًا كبيرًا في فكرها وممارستها السياسية.

 

ثم جاءت المفاجأة.

 

في انتخابات 25 يناير 2006، حصلت قائمة «التغيير والإصلاح» التابعة لحماس على 74 مقعدًا من أصل 132، مقابل 45 لفتح، وفق النتائج الرسمية للجنة الانتخابات المركزية.

 

للمرة الأولى لم تعد حماس تحتاج إلى القول إن الجماهير معها لأنها تقاوم أو لأنها إسلامية. أصبح لديها دليل من النوع الذي كانت المؤسسات القائمة نفسها تعترف به:

 

صندوق الاقتراع.

 

وهنا تحول مصدر الشرعية مرة أخرى:

 

من الشرعية الدينية،

إلى شرعية المقاومة،

إلى الشرعية الانتخابية.

 

لكن المشكلة بدأت عندما اصطدمت هذه الشرعية الجديدة بمؤسسات قائمة، ورئاسة تسيطر عليها فتح، وأجهزة أمنية متنافسة، وحصار وضغوط خارجية، ورفض دولي وإسرائيلي للتعامل الطبيعي مع حكومة تقودها حماس.

 

ولا يجوز حذف هذه العوامل من التاريخ؛ فهي مهمة لفهم الأزمة التي انتهت بالاقتتال الداخلي.

 

لكنها لا تلغي الحقيقة الأخرى: في يونيو 2007 انتهى الصراع بقيام حماس بفرض سيطرتها العسكرية على قطاع غزة، لتنشأ سلطتان فلسطينيتان منفصلتان؛ واحدة تسيطر عليها فتح في الضفة وأخرى تسيطر عليها حماس في غزة.

 

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة وأكثر إشكالية في تاريخ الشرعية.

 

عندما تتحول شرعية الفوز إلى شرعية السيطرة

 

فوز حماس في انتخابات 2006 كان تفويضًا انتخابيًا حقيقيًا. لكنه لم يكن تفويضًا إلى الأبد.

 

فالديمقراطية لا تُقاس فقط بالطريقة التي يصل بها الحزب إلى السلطة، وإنما أيضًا بما يفعله عندما يصبح فيها: هل يقبل إعادة عرض سلطته دوريًا على الناخب؟ هل يسمح لمعارضيه بالعمل؟ وهل يقبل احتمال أن يخسر؟

 

بعد 2007 لم يشهد قطاع غزة انتخابات تشريعية تنافسية جديدة تجدد شرعية حكم حماس.

 

وهنا حدث تحول بالغ الدلالة: الحركة التي أثبتت سنة 2006 أنها تستطيع انتزاع الشرعية من الصندوق أصبحت بعد الانقسام تعتمد عمليًا على السيطرة الفعلية بوصفها مصدرًا لاستمرار الحكم.

 

وفي هذه المرحلة أصبح السلاح يؤدي وظيفتين متداخلتين: سلاحًا في مواجهة إسرائيل، وفي الوقت ذاته جزءًا من ميزان القوة الداخلي الذي يجعل سلطة حماس في غزة حقيقة لا يمكن تجاوزها.

 

وهذا لا يعفي فتح والسلطة الفلسطينية من المشكلة نفسها في الضفة؛ إذ إن النظام الفلسطيني كله عاش أزمة شرعية عميقة نتيجة غياب الانتخابات العامة طوال عقدين تقريبًا. الطرفان، بدرجات وأشكال مختلفة، أصبحا يديران سلطات لم تُجدد شرعيتها عبر انتخابات عامة دورية.

 

وهذا مهم لأن «عقدة الشرعية» ليست مرضًا حصريًا لحماس، وإن كانت تتخذ لديها شكلًا مختلفًا بسبب الجمع بين التنظيم السياسي والجناح العسكري.

 

العودة إلى المقاومة كمصدر للشرعية

 

مع تعثر مشروع الحكم، عادت المقاومة المسلحة تدريجيًا لتصبح أحد المصادر الأساسية التي تقدم حماس من خلالها مبرر وجودها.

 

وبهذا المعنى، لا تكون المقاومة مجرد أداة ضد إسرائيل، بل أيضًا جزءًا من المنافسة الداخلية على تعريف القيادة الفلسطينية: من يحقق؟ من يحرر الأسرى؟ من يستطيع أن يفرض نفسه على إسرائيل؟ ومن يجعل القضية الفلسطينية حاضرة دوليًا؟

 

هذا لا يعني أن كل عملية عسكرية خُطط لها بغرض المنافسة الداخلية، وهي نتيجة لا يمكن إثباتها بهذه البساطة.

 

لكن من الممكن القول إن الإنجاز العسكري أصبح قابلًا للتحويل إلى رأسمال سياسي وتمثيلي.

 

وتبلغ خطورة هذه المعادلة ذروتها عندما يصبح معيار النجاح التنظيمي مختلفًا عن معيار المصلحة الاجتماعية.

 

فقد تنجح الحركة في إثبات أنها لا يمكن تجاوزها سياسيًا، بينما تكون الكلفة التي دفعها المجتمع الواقع تحت سلطتها هائلة.

 

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي الأصعب:

 

هل يكفي أن يزداد وزن التنظيم لكي نقول إن المجتمع قد ربح؟

 

ليس بالضرورة.

 

وهذه ربما أهم نقطة في مفهوم «عقدة الشرعية»: التنظيم قد يقيس النجاح بمقدار تحسن موقعه التفاوضي أو التمثيلي، بينما يقيس المواطن النجاح بحياته وأمن أسرته وبيته وقدرته على العمل ومستقبل أطفاله.

 

وقد تتطابق المصلحتان في بعض المراحل، وقد تتعارضان بصورة مأساوية في مراحل أخرى.

 

2026: البندقية تعود إلى الصندوق

 

المفارقة التاريخية الأكثر إثارة تظهر الآن.

 

بعد الحرب المدمرة في غزة وإعادة ترتيب النظام الفلسطيني، قبلت حماس في يوليو 2026 خطة تتضمن تسليم أسلحتها لتُخزن تحت سيطرة حكومة فلسطينية تكنوقراطية مدعومة أمريكيًا مقابل انسحاب إسرائيلي. الحركة تتحفظ على مصطلح «نزع السلاح»، ولا تزال هناك خلافات كبيرة حول الترتيب والتنفيذ، لكن مجرد القبول بتسليم السلاح يمثل تغيرًا استثنائيًا بالنسبة إلى حركة بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها التاريخية على المقاومة المسلحة.

 

وفي الوقت نفسه عادت الانتخابات.

 

حدد المرسوم الرئاسي يوم 28 نوفمبر 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية، وبدأت لجنة الانتخابات بالفعل الإجراءات القانونية والتسجيل.

 

وفي أغسطس أعلنت حماس أنها ستشارك، وطرح حسام بدران المشاركة «ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن»، بدلًا بالضرورة من الدخول بقائمة حماس منفردة. ثم في 22 أغسطس رحبت الحركة بالتأكيد الرسمي أن الانتخابات ستجري في موعدها وأكدت أنها مكوّن أساسي في النظام السياسي الفلسطيني.

 

تكاد الدائرة هنا تكتمل:

 

الحركة التي بدأت بالبحث عن الشرعية خارج النظام،

ثم دخلت النظام وفازت،

ثم حكمت بالقوة الفعلية،

ثم عادت إلى شرعية المقاومة،

تعود الآن مرة أخرى إلى الصندوق.

 

المفارقة الأعمق: الاعتراف بالتمثيل الذي نازعته تاريخيًا

 

الأكثر إثارة أن قانون الانتخابات الفلسطيني المعدل في أغسطس 2026 يشترط على المرشح الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

 

هذه ليست مسألة فنية.

 

إنها تمس مباشرة سؤالًا ظل جزءًا من علاقة حماس بمنظمة التحرير طوال عقود:

 

من يمثل الشعب الفلسطيني؟

 

وبالتالي ستكون طريقة تعامل حماس مع هذا الشرط واحدة من أكثر المؤشرات أهمية لفهم ما إذا كانت الحركة تنتقل فعلًا إلى قبول قواعد نظام سياسي مشترك أم أنها تبحث فقط عن صيغة جديدة لدخول النظام مع الاحتفاظ بحق تعديل قواعده لاحقًا.

 

التحالف مع من كان بالأمس خصمًا

 

تظهر مفارقة أخرى في استعداد حماس اليوم لدخول ائتلاف واسع مع قوى عاشت معها عقودًا من التخوين المتبادل والاتهامات بالتفريط والانحراف عن المشروع الوطني.

 

ففي مراحل سابقة وصفت حماس اتفاق أوسلو، الذي أنشأ السلطة التي تريد اليوم العودة إلى مؤسساتها الانتخابية، بأوصاف شديدة وصلت إلى «الخيانة الكبرى». وفي المقابل استخدمت فتح والسلطة أيضًا خطاب التخوين ضد حماس وخصومهما. ولذلك فالتخوين لم يكن حكرًا على طرف واحد في الحياة السياسية الفلسطينية.

 

لكن هذا يجعل التحول الحالي لافتًا:

 

ما كان بالأمس نظامًا فاقدًا للشرعية يمكن أن يصبح اليوم بوابة لاكتساب الشرعية.

 

وما كان بالأمس خصمًا خارج «الخط الصحيح» يمكن أن يصبح غدًا شريكًا في قائمة انتخابية أو حكومة ائتلافية.

 

هذا لا يثبت بالضرورة النفاق؛ فالسياسة بطبيعتها تفرض التحولات والتسويات. لكنه يؤكد أن الشعارات الأيديولوجية ليست وحدها ما يحدد السلوك. ميزان القوة والحاجة إلى الشرعية يلعبان دورًا مركزيًا.

 

السؤال الذي لم يجب عنه التاريخ بعد

 

ومع ذلك، فإن العودة إلى الانتخابات لا تكفي وحدها لإثبات أن حماس تحولت إلى حركة ديمقراطية مستقرة.

 

السؤال ليس:

 

هل ستشارك حماس في انتخابات 2026؟

 

فهي أعلنت بالفعل استعدادها لذلك.

 

السؤال الحقيقي هو:

 

ماذا ستفعل إذا أصبحت مرة أخرى الطرف الأقوى؟

 

هل ستعتبر الانتخابات قاعدة دائمة لتداول السلطة، حتى إذا خسرت الانتخابات التالية؟

 

هل ستقبل بأن تكون الأجهزة الأمنية خاضعة لمؤسسات وطنية واحدة؟

 

هل ستقبل بمحكمة أو برلمان أو رئيس يستطيع أن يحد من سلطتها؟

 

هل ستتعامل مع خصومها باعتبارهم منافسين شرعيين أم ستعود، عندما يتغير ميزان القوة، إلى اعتبارهم عائقًا أمام المشروع الوطني؟

 

وفوق كل ذلك:

 

هل تقبل أن تكون قوة السلاح خاضعة للشرعية، أم ستبقى الشرعية في النهاية خاضعة لقوة السلاح؟

 

هنا تحديدًا يمكن اختبار فرضية «قلق التمثيل وعقدة الشرعية».

 

احتمال العودة إلى الهيمنة

 

ليس من المنهجي القول منذ الآن إن حماس ستعود حتمًا إلى السيطرة بالقوة إذا استطاعت.

 

هذا ادعاء عن المستقبل لا يمكن إثباته.

 

لكن التاريخ يجعل السيناريو معقولًا بما يكفي لكي يجب تصميم النظام السياسي لمنعه.

 

وهذه نقطة شديدة الأهمية: الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على الثقة في نيات حماس أو فتح أو أي فصيل آخر.

 

بل على مؤسسات تجعل الهيمنة صعبة مهما كانت نيات المنتصر.

 

لذلك ينبغي أن يكون النظام القادم قائمًا على مبدأ بسيط:

 

لا سلاح حزبي يستطيع إلغاء نتيجة الصندوق، ولا رئيس يستطيع إلغاء الصندوق، ولا فصيل يستطيع احتكار تعريف الوطنية، ولا فائز يستطيع تغيير قواعد اللعبة بعد أن يصل إلى السلطة.

 

إذا تحقق ذلك، لن يعود مهمًا جدًا ما إذا كانت حماس دخلت الانتخابات تكتيكيًا أو أيديولوجيًا؛ لأن المؤسسة نفسها ستجبر الجميع على الالتزام بقواعد التداول.

 

أما إذا بقيت القوة المسلحة مستقلة عن النظام السياسي، وظل كل طرف قادرًا على العودة إليها عندما تتعارض نتيجة المؤسسة مع مصالحه، فإن الانتخابات قد تتحول مرة أخرى إلى محطة مؤقتة في صراع أطول على السيطرة.

 

خاتمة: من يملك الشرعية، ومن يدفع ثمنها؟

 

يمكن، إذن، قراءة تاريخ حماس باعتباره انتقالًا مستمرًا بين مصادر مختلفة للشرعية:

 

شرعية الدين والدعوة، ثم شرعية المقاومة، ثم شرعية الإنجاز العسكري وتحرير الأسرى، ثم شرعية صندوق الانتخابات، ثم شرعية السيطرة الفعلية، ثم العودة إلى شرعية المقاومة، وأخيرًا محاولة العودة إلى الشرعية الانتخابية.

 

لكن الخيط الذي يربط هذه المراحل هو سؤال واحد:

 

كيف تضمن الحركة أنها لا تصبح طرفًا يمكن تجاوزه عند تحديد من يمثل الفلسطينيين ومن يقرر مستقبلهم؟

 

هنا تصبح «عقدة التمثيل» أكثر تفسيرًا من مجرد «عقدة نقص».

 

وتصبح «عقدة الشرعية» سؤالًا مؤسسيًا أكثر من كونها حالة نفسية.

 

أما الأخطر فهو أن البحث المستمر عن إثبات الشرعية قد يحمل المجتمع كلفة لا تتناسب دائمًا مع المكسب الذي يحصل عليه.

 

فإذا أصبحت العملية النوعية وسيلة لإثبات التمثيل، والانتصار الانتخابي وسيلة للاستحواذ على المؤسسة، والسلاح ضمانة أخيرة عند تعطل السياسة، فإن التنظيم يستطيع أن يربح جولة بعد أخرى في صراعه على الشرعية بينما يدفع المجتمع ثمن اللعبة بأكملها.

 

ولهذا فإن الاختبار التاريخي الحقيقي لحماس لن يكون نجاحها في العودة إلى الانتخابات في نوفمبر 2026.

 

بل ما يأتي بعد الانتخابات.

 

فإن استطاعت الانتقال من منطق «يجب أن أكون ممثلًا لأنني أملك الدين أو المقاومة أو السلاح أو الأغلبية» إلى منطق «أملك السلطة ما دام الناخب يمنحني إياها وأتركها عندما يسحبها مني»، عندها نكون أمام تحول بنيوي حقيقي.

 

أما إذا ظلت الانتخابات مجرد مصدر جديد للشرعية يُستخدم عندما تكون الحركة بحاجة إليه، بينما تبقى القوة أداة الاحتياط عند اختلافها مع شركائها أو خسارتها لموقعها، فسنكون أمام دورة جديدة من النمط القديم:

 

البحث عن الشرعية، ثم احتكارها، ثم أزمة تمثيل جديدة، ثم البحث عن أداة أخرى لاستعادتها.