وكالات/ الاقتصادية
تسببت الاعتداءات الإيرانية على منطقة الخليج في أكبر اضطراب للأعمال بالمنطقة منذ جائحة كوفيد-19، ما أدى إلى إغلاق مطارات وتعطّل عمليات الموانئ وإحداث صدمات في الأسواق المالية. وجاءت الاعتداءات، التي جاءت عقب عدوان أميركي إسرائيلي على إيران، لتستهدف كل دول الخليج، وهي منطقة أمضت عقوداً في بناء سمعتها كأحد أكثر مراكز الأعمال موثوقية في العالم.
وقُتل ثلاثة أشخاص جراء الاعتداءات في الإمارات، فيما سُمعت دويّ انفجارات لليوم الثاني في الدوحة ودبي وأبوظبي. ومثّلت الضربات تصعيداً غير مسبوق بالنسبة لدبي، المدينة التي بُنيت هويتها الحديثة على بقائها بمنأى عن الصراعات. فمنذ بداياتها استخدمت الإمارة عائدات نفطية متواضعة لبناء موانئ ومطارات ومراكز تجارية، قبل أن تتحول منذ تسعينيات القرن الماضي إلى مركز عالمي للسياحة الفاخرة والعقارات والخدمات المالية.
وقال فيجاي فاليشا، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة "سنتشري فايننشال"، إن التأثير يختلف بين اقتصادات الخليج، موضحاً أن ارتفاع أسعار النفط يوفر هامش حماية مالية للدول المنتجة مثل السعودية وقطر عبر تعزيز الإيرادات والسيولة، في حين ستواجه قطاعات التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة، خصوصاً في الإمارات، ضغوطاً متزايدة إذا ارتفعت مخاطر الشحن أو تراجع المزاج الاستثماري الإقليمي.
تراجع أسواق الأسهم
تراجعت أسواق الأسهم الخليجية بحدّة عند افتتاح التداول يوم الأحد، إذ هبط المؤشر القياسي السعودي بأكثر من 4% قبل أن يقلص خسائره ويغلق منخفضاً بنسبة 2.2%، كما أغلق سوق عُمان على تراجع بنسبة 1.4%، فيما خسرت البورصة المصرية 2.5% بعد تقليص خسائر أكبر سُجلت في وقت سابق. واتخذت الإمارات، التي لا تعمل أسواقها المالية يوم الأحد، خطوة نادرة بإغلاق البورصة يومَي الاثنين والثلاثاء، بينما أُغلق سوق الكويت يوم الأحد وجرى تعليق التداول حتى إشعار آخر.
وقال محمد علي ياسين، الرئيس التنفيذي لشركة "غاف بينيفتس" التابعة لشركة "لونيت" في أبوظبي، إن الأسواق ستبقى هشة ومتقلبة طالما استمرت العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن المستثمرين المؤسّساتيين الدوليين عادة ما يقودون موجات البيع الأولى، فيما يسعى المستثمرون المحليون إلى الحد من التراجعات عبر شراء الأسهم القيادية.
أضرار في البنية التحتية
استهدفت الاعتداءات الإيرانية مطارات ومنشآت عسكرية وموانئ وفنادق في أنحاء الخليج. وتعرّض مطار دبي الدولي ومطار زايد الدولي في أبوظبي لأضرار، ما أسفر عن مقتل مدني وإصابة 11 آخرين في الموقعين، كما اندلع حريق في أحد الأرصفة بميناء جبل علي في دبي عقب عملية اعتراض جوي. وتضم الإمارات شركات كبرى مثل "إعمار العقارية" و"ماجد الفطيم"، كما أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركز جذب لصناديق التحوط العالمية والبنوك الدولية الساعية إلى القرب من الثروات السيادية الضخمة التي يديرها جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة.
وفي منطقة تعتمد فيها الأعمال بدرجة كبيرة على العلاقات الشخصية، تمثل خسارة موسم التواصل الرمضاني تكلفة غير مباشرة لكنها مؤثرة في النشاط الاقتصادي، كما طاولت الضربات مناطق سكنية في دبي مارينا ونخلة جميرا، ما أدى إلى اندلاع حريق في فندق "فيرمونت النخلة" وتضرر فندق برج العرب. وكان فندق "فيرمونت" قد بيع مؤخراً مقابل 325 مليون دولار لشركة أرزان لإدارة الاستثمارات الكويتية، في صفقة اعتُبرت مؤشراً على ازدهار الطلب الفندقي في الخليج، ما يجعل الأضرار إحدى أبرز صور الخسائر التي لحقت بقطاع السياحة.
وأصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تحديثات لإرشادات السفر إلى دول الخليج، داعية مواطنيها إلى توخي أقصى درجات الحذر وتجنب السفر غير الضروري، كما أُغلقت أو فُرضت قيود مشددة على مطارات عبور رئيسية، بينها دبي وأبوظبي والدوحة، مع استمرار إغلاق معظم المجال الجوي في المنطقة.
ومن المتوقع أن يعتمد موظفو الشركات الدولية الكبرى العمل عن بُعد خلال الأيام المقبلة، بعدما دعت الهيئة الاتحادية للعمل في الإمارات المؤسسات إلى تطبيق ترتيبات العمل عن بُعد حتى 3 مارس/آذار، مع إبقاء العاملين بعيداً عن المناطق المفتوحة باستثناء الوظائف الحيوية التي تتطلب الحضور الميداني. وتعكس التطورات الأخيرة تحولاً حساساً في معادلة الاستقرار الاقتصادي الخليجي، إذ إن استمرار التصعيد العسكري لا يهدد حركة الطيران والسياحة والتجارة قصيرة الأجل فحسب، بل يضع أيضاً نموذج الخليج القائم على الاستقرار الجيوسياسي كعامل جذب للاستثمارات العالمية أمام اختبار غير مسبوق.
ورغم أنّ ارتفاع أسعار النفط يمنح الدول المصدّرة هامشاً مالياً مؤقتاً لامتصاص الصدمة، فإن المخاطر الأوسع تتمثل في اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة التأمين والشحن البحري، واحتمال تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، خصوصاً إلى المراكز المالية والخدمية مثل الإمارات، كما قد تدفع حالة عدم اليقين الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة تقييم خطط التوسع الإقليمي وإدارة المخاطر التشغيلية في المنطقة.
وفي حال طال أمد التوترات، يرجّح أن تنتقل التداعيات من اضطراب ظرفي في الأسواق إلى تأثيرات هيكلية تشمل الاستثمار العقاري، وقطاع الطيران، والخدمات اللوجستية، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بدرجة أساسية بسرعة احتواء التصعيد واستعادة الثقة بأسواق الخليج باعتبارها إحدى أهم بوابات التجارة والمال العالمية.

