وكالات/ الاقتصادية
تشير تقديرات حديثة إلى أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية مع إيران تدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة جديدة من الضغوط الائتمانية، مع تزايد احتمالات اتساع موجة إفلاسات الشركات نتيجة اضطراب أسواق الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد، ما يضع سوق العمل العالمي أمام مخاطر متصاعدة خلال العامين المقبلين.
وأفادت شركة «أليانز تريد» (Allianz Trade)، في تحليل نشره موقع AGBI، بأن الأثر المباشر للأزمة قد يرفع حالات الإفلاس عالمياً بنسبة 6% في عام 2026، بزيادة نقطتين مئويتين عن التوقعات السابقة للحرب، وهو ما يعادل إضافة نحو 15 ألف حالة إفلاس جديدة في الاقتصادات الكبرى خلال عامي 2026 و2027، بواقع نحو 7 آلاف حالة في 2026 ونحو 8 آلاف في 2027.
غير أن المسار التصاعدي يبقى رهناً بتطورات «مضيق هرمز»، إذ تُرجّح السيناريوهات أن استمرار التوترات أو تعطل الملاحة لفترة ممتدة قد يدفع معدلات الإفلاس إلى قرابة 10% في 2026، مع زيادة إضافية بنحو 3% في 2027، بما يعكس درجة الاعتماد العالية للاقتصاد العالمي على هذا الممر الذي يمر عبره نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط الخام.
صدمة طاقة تعيد تشكيل هوامش الربحية
بحسب التحليل، فإن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير تسببت في تدمير منشآت طاقة، ما أدى إلى تقلص الإمدادات وتعطيل تدفقات النفط والغاز والتجارة. وقد استقرت أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل، في وقت شهدت فيه تكاليف الشحن والمدخلات الصناعية ارتفاعاً حاداً، ما أدى إلى ضغط مزدوج على هوامش الربحية وتآكل القدرة التشغيلية لعدد متزايد من الشركات.
وقال لويس دالماو تاوليس، الاقتصادي لمنطقة إفريقيا والشرق الأوسط لدى «أليانز تريد»، في تصريحات لـ(AGBI)، إن مدة الصراع تمثل المتغير الحاسم في تحديد حجم التداعيات الاقتصادية، موضحاً أن استمرار إغلاق المضيق لما بعد الصيف سيؤدي إلى «زيادة ملموسة في حالات الإفلاس عالمياً، مع تركز التأثير في أوروبا وأجزاء من آسيا».
آسيا تقود الارتفاع.. والصين في قلب الاتجاه
يغطي تقرير «أليانز تريد» 44 دولة تمثل نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويركز على الفجوة بين التوقعات الحالية وتلك السابقة للأزمة، دون تقديم رقم إجمالي موحد للإفلاسات.
وتشير البيانات إلى أن آسيا ستبقى المحرك الرئيسي لارتفاع حالات الإعسار خلال 2026-2027، بحصة تبلغ 54% من الزيادة العالمية، تقودها الصين، حيث يُتوقع أن ترتفع حالات الإفلاس بنسبة 9% في 2026 و5% إضافية في 2027.
في المقابل، تسجل الاقتصادات المتقدمة الأكثر تعرضاً لتقلبات أسعار الطاقة زيادات ملحوظة، تتصدرها ألمانيا بنسبة 10%، تليها الولايات المتحدة بنسبة 7%، ثم فرنسا بنسبة 4%.
أما في بريطانيا، فمن المتوقع أن تنخفض حالات الإفلاس بنسبة 1% في 2026، لكنها ستبقى أعلى بنحو 30% مقارنة بمستويات ما قبل خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. وتُظهر بيانات صادرة عن «جمعية المتخصصين في الإعسار وإعادة الهيكلة في بريطانيا» (R3) أن حالات إعسار الشركات ارتفعت بنسبة 7% على أساس شهري في مارس لتصل إلى 2022 حالة.
وقال رئيس الجمعية، توم راسل، إن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة «يفرض ضغوطاً مالية مباشرة على الشركات البريطانية»، في مؤشر على انتقال أثر الصدمة من قطاع الطاقة إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية.
إعادة تسعير هيكلية للمخاطر
وتُصنّف هذه الحرب ضمن أكبر الصدمات التي شهدتها أسواق الطاقة، حيث قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لـ«وكالة الطاقة الدولية» (IEA)، إنها تمثل «أكبر صدمة في تاريخ السوق»، ما يعكس حجم الاضطراب غير المسبوق في تدفقات الطاقة العالمية.
وفي السياق ذاته، حذر داليب سينغ، نائب رئيس وكبير الاقتصاديين العالميين في شركة «بي جي آي إم» (PGIM) لإدارة الأصول، من أن أحد الآثار الممتدة للحرب يتمثل في ترسيخ علاوة مخاطر أعلى على تكاليف الشحن البحري، موضحاً أن «تسليح الممرات الاستراتيجية لم يعد احتمالاً نظرياً، بل أصبح خطراً قائماً سيبقى ضمن معادلة التسعير».
سوق العمل تحت ضغط متزايد
بحسب «أليانز تريد»، فإن تداعيات الأزمة قد تعرّض نحو 2.2 مليون وظيفة حول العالم للخطر في 2026، مع تركز التأثير في قطاعات البناء والتجزئة والخدمات، وهي القطاعات الأكثر حساسية لارتفاع التكاليف وتقلبات الطلب.
ويرى محللون من «معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة» (Oxford Institute for Energy Studies) أن ما كان يُصنّف سابقاً ضمن سيناريوهات منخفضة الاحتمال أصبح واقعاً قائماً، في ظل تراجع الرهانات على احتواء سريع للصراع.
وأكد كل من بسام فتوح وأحمد مهدي أن إعادة فتح «مضيق هرمز»، إن حدثت، «لن تكون سريعة ولا سلسة»، ما يعزز حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

