رام الله/ الاقتصادية
تتفاقم أزمة المستحقات المالية المتأخرة على الحكومة لشركات المقاولات، وسط تحذيرات شديدة اللهجة أطلقها اتحاد المقاولين الفلسطينيين من تداعيات استمرار التجاهل الحكومي لهذا الملف الحيوي. وأكد مجلس إدارة الاتحاد أن المماطلة في تسديد هذه المستحقات لم تعد مقبولة بأي شكل من الأشكال، مشدداً على أن حقوق المقاولين خط أحمر وليست محل مساومة أو تأجيل، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية المعقدة والخانقة التي يمر بها القطاع ككل.
وفي تفصيل دقيق لعمق الأزمة وأرقامها، صرح رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين، أحمد القاضي، لـ"صدى نيوز"، موضحاً أن إجمالي الديون المستحقة والالتزامات المالية المترتبة على الحكومة تقترب من المليار شيكل، حيث تصل بالمجمل إلى نحو 930 مليون شيكل.
وبيّن القاضي أن هذه الديون تنقسم إلى ثلاثة أقسام أساسية؛ تشمل ديونا مباشرة مسجلة على النظام المالي تصل قيمتها إلى 450 مليون شيكل، بالإضافة إلى مبالغ تتمثل في الاسترجاعات الضريبية، وفواتير ما زالت قيد التدقيق، وأعمال منجزة على أرض الواقع لكنها غير مفوترة بعد، مما يرفع المجموع الكلي ليصل إلى 930 مليون شيكل تقريباً.
وأشار رئيس الاتحاد بكثير من القلق إلى أن المشكلة الأساسية والجذرية تكمن في انقطاع الدفعات وتوقفها منذ فترة طويلة تتراوح ما بين 14 إلى 15 شهرا وحتى هذه اللحظة، دون أن يتم تحويل أي دفعة مالية تذكر لصالح المقاولين. وأضاف أنه تم عقد اجتماع سابق مع وزير المالية بناءً على طلب الوزارة التي دعت الاتحاد إلى إبداء نوع من التساهل والمرونة في آلية التعاطي مع وزارة المالية، ومراعاة الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة والقاهرة التي تمر بها البلاد في الوقت الراهن.
وتابع القاضي حديثه مبينا أنه بناءً على ذلك الاجتماع، فقد توافق مجلس إدارة اتحاد المقاولين مع الحكومة على خطة تقضي بأن تدفع الحكومة مبلغ 8 ملايين شيكل خلال شهر حزيران الحالي، إلا أنه للأسف الشديد لم يتم دفع شيكل واحد من هذا المبلغ حتى الآن. كما شمل الاتفاق حزمة من الإجراءات الإدارية التسهيلية للتخفيف عن كاهل المقاولين، ومنها تفعيل آليات المقاصة، وتسريع الدورة المستندية للفواتير الخاصة بالمشاريع الممولة، والعمل على النظر الجدي في معالجة معضلة فرق سعر صرف الدولار المعروف بـ "الاندكس"، إلى جانب مجموعة من التدابير التي تهدف إلى إسناد المواطنين والشركات في هذه الأوقات العصيبة.
وأعرب القاضي خلال حديثه مع صدى نيوز، عن أسفه الشديد من أنه على مدار أكثر من 45 يوما منذ ذلك الاتفاق، لم يُلمس أي إجراء فعلي على أرض الواقع يعكس وجود نية صادقة أو جدية من طرف الحكومة لتنفيذ الالتزامات والتعهدات المقطوعة. ولفت إلى أنه تم الاتفاق أيضا على دفع مبالغ شهرية منتظمة تتراوح بين 5 إلى 6 ملايين شيكل لضمان وضع قطاع المقاولات ضمن أولويات الصرف في وزارة المالية، موضحاً هذه المطالب بالأثر غير المباشر والحيوي الذي يحدثه الصرف في هذا القطاع على الاقتصاد الوطني بمجمله، إذ يعتبر قطاع المقاولات المشغل الأكبر للأيدي العاملة الفلسطينية في ظل أزمة البطالة المستفحلة التي يعاني منها الشعب والتي خلّفت نحو 500,000 عاطل عن العمل، فضلاً عن ارتباط هذا القطاع وتشابكه مع 160 قطاعا شريكا وتجاريا بشكل مباشر وغير مباشر، مؤكدا أن كل شيكل يتم ضخه في قطاع المقاولات يعود بالفائدة المباشرة والدورة الاقتصادية على الاقتصاد الفلسطيني ككل.
مجلس إدارة اتحاد المقاولين يدعو للتصعيد..
وفي سياق متصل، أصدر مجلس إدارة اتحاد المقاولين الفلسطينيين بيانا رسميا أعلن فيه التوجه نحو خطوات تصعيدية حاسمة تعبيرا عن الرفض المطلق لسياسة المماطلة. وجاء في البيان الصادر أنه في إطار المتابعة الحثيثة واليومية التي يقوم بها المجلس لملف المستحقات المالية المتأخرة، عُقد اجتماع مع المحاسب العام لبحث آليات صرف المستحقات المترتبة ووضع جدول زمني واضح ومحدد للمدفوعات، إلا أن الاجتماع لم يسفر عن أي التزام واضح أو جدول زمني محدد للصرف من قبل الجهات الحكومية، مما يعكس استمرار حالة الضبابية وعدم اليقين التي تضرب القطاع وتضع الشركات أمام تحديات وتهديدات غير مسبوقة تمس ديمومتها.
وبناء على هذه المعطيات، دعا مجلس إدارة الاتحاد جميع منتسبيه والشركات العاملة للمشاركة الواسعة والفاعلة في الوقفة الاحتجاجية المركزية المقرر تنظيمها يوم الثلاثاء القادم، الموافق 23 حزيران 2026، أمام مقر وزارة المالية في مدينة رام الله، للمطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن حقوقهم المالية. كما أعلن المجلس عن خطوة احتجاجية متزامنة تتمثل في تعليق العمل بشكل كامل في كافة المشاريع الحكومية والمشاريع الممولة لمدة يوم واحد، وهو يوم الثلاثاء القادم، تعبيرًا عن رفض قطاع المقاولين القاطع لاستمرار سياسة تأخير صرف مستحقاتهم الماليّة.
وتأكيدا على جدية هذه الخطوات، أوعز البيان للشركات بضرورة تعليق لافتات واضحة في جميع مواقع المشاريع المغلقة تحمل عبارة "تم تعليق العمل في هذا المشروع نتيجة عدم صرف المستحقات المالية للمقاولين".
واختتم مجلس الإدارة بيانه بالتأكيد على أنه سيبقى في حالة انعقاد دائم ومستمر لمراقبة التطورات، محذرا من أنه في حال عدم الاستجابة الفورية لمطالب الاتحاد العادلة، سيتم الإعلان مباشرة عن برنامج تصعيدي تدريجي وشامل قد يتضمن تمديد فترات وقف العمل في المشاريع، واتخاذ كافة الإجراءات النقابية والقانونية الإضافية المتاحة دفاعا عن حقوق وكرامة شركات المقاولات الفلسطينية.

