اليوم الجمعة ١٧ يوليو ٢٠٢٦م

كيف تسهم الحوكمة في تنظيم عمل المؤسسات والجمعيات الخيرية لتحقيق العدالة في توزيع المساعدات بقطاع غزة؟

اليوم, ١١:٠٦:٢٠ ص
تعبيرية

بقلم/ انور محمد عطالله- ماجستير اقتصاد جماعة الأزهر بغزة

في ظل الظروف الإنسانية الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، وما يرافقها من الحصار والنزوح واتساع رقعة الفقر والجوع، تبذل العديد من المؤسسات والجمعيات الإنسانية جهودًا كبيرة ومقدرة، من بينها اللجنة المصرية، والفارس الشهم، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، وهيئات الأمم المتحدة، وغيرها من المؤسسات المحلية والدولية، في سبيل التخفيف من معاناة المواطنين.

ومع اتساع حجم الاحتياجات وتعقيد الواقع الميداني، تصبح الحوكمة الرشيدة ضرورة وليست خيارًا، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بعدالة وشفافية وكفاءة، وتعزيز ثقة المواطنين والجهات المانحة في آن واحد.

 

ومن أهم المقترحات العملية لتحقيق ذلك:

1. إنشاء قاعدة بيانات مركزية موحدة للمستفيدين، يتم تحديثها بصورة مستمرة، مع ربطها بآليات تحقق إلكترونية تمنع الازدواجية أو تكرار الاستفادة، مع الحفاظ على خصوصية البيانات.

2. اعتماد مبدأ الشفافية الكاملة من خلال نشر معايير الاستحقاق وآليات الاختيار وعدد المستفيدين في كل منطقة، وإعلان نتائج التوزيع بشكل دوري.

3. تفعيل نظام التغذية الراجعة (Feedback System) عبر أرقام مجانية، ومنصات إلكترونية، وصناديق شكاوى، بحيث يستطيع المواطن تقديم ملاحظاته أو الاعتراض على أي تجاوز، مع ضمان سرية المعلومات وحماية المبلغين.

4. إنشاء نقاط توزيع ثابتة في جميع المحافظات والمناطق وفق الكثافة السكانية، بما يقلل تكاليف المواصلات، ويخفف الاكتظاظ والطوابير الطويلة، ويحفظ كرامة المواطنين.

5. الفصل بين إجراءات الاستحقاق والاستلام، وذلك بإنشاء مكاتب مستقلة لتسجيل المستفيدين وتسليم أوامر الصرف وتوقيعهم على الاستلام، بينما تقتصر مراكز التوزيع على تسليم المساعدات فقط، مما يرفع الكفاءة ويقلل الفوضى.

6. تشكيل لجان رقابة ميدانية مستقلة تتواصل مع المستفيدين بعد انتهاء عمليات التوزيع، وتأخذ عينات عشوائية للتحقق من وصول المساعدات كاملة إلى مستحقيها، وترفع تقاريرها مباشرة إلى الإدارات الرئيسية للمؤسسات خارج قطاع غزة لضمان الاستقلالية.

7. معالجة أي انحرافات أو تجاوزات بحزم وفق إجراءات قانونية وإدارية واضحة، مع إعلان نتائج التحقيقات والعقوبات عند ثبوت المخالفات، بما يعزز الردع ويحافظ على المال الإنساني.

8. الاستعانة بالتحول الرقمي باستخدام بطاقات أو رموز إلكترونية (QR Code) أو وسائل تحقق رقمية، للحد من التزوير والانتحال، وتوثيق جميع مراحل عملية التوزيع.

9. تطبيق مبدأ الفصل بين الصلاحيات بحيث لا تكون جهة واحدة مسؤولة عن التسجيل والاعتماد والتوزيع والرقابة في الوقت نفسه، مما يقلل فرص الفساد أو تضارب المصالح.

10. إشراك ممثلين عن المجتمع المحلي من الأكاديميين، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والوجهاء المعروفين بالنزاهة، في لجان استشارية تتابع الأداء دون التدخل في القرار التنفيذي.

11. إجراء تقييم دوري للاحتياجات الإنسانية لأن احتياجات الأسر تتغير باستمرار نتيجة النزوح أو فقدان مصادر الدخل أو تغير أماكن الإقامة، وبالتالي يجب تحديث قوائم المستفيدين بصورة منتظمة.

12. إنشاء وحدة مستقلة لإدارة المخاطر تتولى تحليل المخاطر المحتملة التي قد تؤثر في عدالة التوزيع، ووضع خطط بديلة للتعامل مع الأزمات الأمنية أو اللوجستية.

13. إجراء تدقيق مالي وإداري خارجي مستقل بشكل دوري، ونشر ملخص نتائجه للجهات المانحة والرأي العام، بما يعزز الثقة ويضمن الاستخدام الأمثل للمساعدات.

14. إعداد مؤشرات أداء واضحة (KPIs) تقيس سرعة التوزيع، ونسبة وصول المساعدات للمستحقين، وعدد الشكاوى، وزمن معالجتها، ومستوى رضا المستفيدين، بما يساعد على تحسين الأداء باستمرار.

15. إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين المؤسسات الإنسانية لتبادل البيانات وتنسيق عمليات التوزيع ومنع تكرار حصول بعض الأسر على مساعدات متعددة، مقابل حرمان أسر أخرى.

16. إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة وفق معايير واضحة، مثل الأطفال، والأيتام، والأرامل، وكبار السن، وذوي الإعاقة، والمرضى، والأسر التي فقدت معيلها، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو حزبية أو عائلية.

 

إن نجاح العمل الإنساني لا يقاس فقط بحجم المساعدات المقدمة، بل بمدى وصولها إلى مستحقيها بعدالة وكرامة وشفافية. فكلما ترسخت مبادئ الحوكمة الرشيدة، ارتفعت كفاءة العمل الإنساني، وتعززت ثقة المواطنين والجهات المانحة، وأصبحت المساعدات أداةً حقيقيةً لحماية الإنسان، لا مجرد استجابة طارئة. وفي ظل ما يمر به قطاع غزة، فإن تطبيق الحوكمة لم يعد خيارًا إداريًا، بل أصبح ضرورة إنسانية وأخلاقية ووطنية لضمان أن تصل كل مساعدة إلى من هو في أمس الحاجة اليها.