اليوم السبت ٠١ أغسطس ٢٠٢٦م

الاستزراع السمكي البحري في قطاع غزة.. تجربة رائدة أثبتت نجاحها وتوقفت قبل اكتمالها بسبب الحرب

اليوم, ٤:٠٥:٠٦ م
أرشيفية

بقلم: د. سعود صالح الشوا- طبيب بيطري استشاري

في الوقت الذي ينظر فيه كثيرون إلى قطاع غزة من زاوية الأزمات الإنسانية والحروب المتكررة، تغيب عن الأذهان قصص نجاح تنموية حقيقية استطاع الفلسطينيون إنجازها رغم محدودية الموارد وتعقيدات الواقع. ومن بين هذه التجارب الرائدة، تبرز تجربة الاستزراع السمكي البحري بالأقفاص العائمة، التي شكلت محطة علمية وتنموية واعدة في مسيرة تطوير قطاع الثروة السمكية في فلسطين.

 

لم تكن هذه التجربة مشروعًا نظريًا أو فكرة لم تغادر الأوراق، بل كانت مشروعًا ميدانيًا متكاملًا، نُفذ بالشراكة بين مؤسسات فلسطينية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، وبدعم من الحكومة الإيطالية، بهدف إدخال تقنيات حديثة للاستزراع البحري وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل جديدة للصيادين والشباب، وفتح آفاق استثمارية جديدة أمام القطاع الخاص الفلسطيني.

 

لقد أثبت المشروع نجاحه الفني خلال مرحلته التجريبية، وأكد أن البيئة البحرية في غزة قادرة على احتضان مشاريع استزراع سمكي حديثة ذات جدوى اقتصادية وإنتاجية، خاصة في تربية أنواع بحرية ذات قيمة سوقية مرتفعة مثل الدنيس، مع وجود رؤية للتوسع نحو مشاريع إنتاجية أكبر تستفيد من الخبرات الوطنية والشراكات الدولية.

 

وكانت الخطة المستقبلية للمشروع تتجاوز حدود التجربة الأولية، لتشمل إنشاء مزيد من الأقفاص البحرية الاستثمارية، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص، وتعزيز مساهمة الاستزراع البحري في الأمن الغذائي الفلسطيني، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوفير فرص عمل مستدامة في قطاع يعاني أصلًا من تحديات كبيرة.

 

غير أن الحرب أوقفت هذه المسيرة قبل أن تبلغ أهدافها. فقد تعرضت الأقفاص البحرية والمنشآت المرتبطة بالمشروع لأضرار جسيمة، وتوقفت تجربة كانت تمثل نواة لقطاع اقتصادي واعد. ولم يكن توقف المشروع نتيجة إخفاق فني أو اقتصادي، بل نتيجة ظروف الحرب التي أنهت مشروعًا أثبت نجاحه وكانت أمامه فرص حقيقية للتوسع والتطور. وتشير التقارير إلى تعرض الأقفاص البحرية الممولة ضمن المشروع لأضرار كاملة، إلى جانب الأضرار التي لحقت بقطاع الصيد والاستزراع السمكي في غزة. 

 

إن توثيق هذه التجربة اليوم لا يهدف إلى استعادة الماضي فحسب، بل إلى الحفاظ على ذاكرة علمية وتنموية مهمة، وإبراز نموذج فلسطيني نجح في نقل تقنيات الاستزراع البحري إلى غزة، بما يمهد لإعادة البناء عندما تتوفر الظروف المناسبة.

ومن هذا المنطلق، أعمل حاليًا على إعداد دراسة توثيقية شاملة بعنوان:

 

 الاستزراع السمكي البحري في قطاع غزة: تجربة رائدة أثبتت نجاحها وتوقفت قبل اكتمالها بسبب الحرب

Marine Aquaculture in the Gaza Strip: A Successful Pilot Initiative Interrupted by War

 

وسيتناول هذا العمل مراحل المشروع منذ نشأته، والتخطيط له، وتنفيذه، ونتائجه الفنية والاقتصادية، والدروس المستفادة، إضافة إلى رؤية عملية لإعادة إطلاق الاستزراع السمكي البحري في غزة ضمن برامج التعافي وإعادة الإعمار.

 

إن إعادة بناء هذا القطاع لا تعني استعادة ثلاثة أقفاص بحرية فحسب، بل تعني استعادة مشروع تنموي أثبت قدرته على المساهمة في الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، ونقل المعرفة، وتعزيز الاقتصاد المحلي. كما تمثل فرصة للبناء على خبرات فلسطينية تراكمت عبر سنوات من العمل والتعاون مع المؤسسات الدولية.

ويبقى الأمل أن تعود هذه التجربة إلى بحر غزة، لا بوصفها مشروعًا تجريبيًا جديدًا، بل باعتبارها تجربة ناجحة تستحق أن تُستكمل، وأن تتحول إلى أحد النماذج الرائدة للتنمية المستدامة في فلسطين.