اليوم الخميس ٠٦ أغسطس ٢٠٢٦م

عندما يُخفي الظاهر الأخضر الآمن واقعاً أحمر خطيرا في إدارة المؤسسات والمشاريع

اليوم, ٢:٥٧:٤٠ م
محمد سالم أبو يوسف

بقلم/ د.محمد سالم أبو يوسف - دكتوراه الفلسفة في المحاسبة 

في عالم إدارة المؤسسات والمشاريع، يُطلق مصطلح «تقارير البطيخ» (Watermelon Reporting) على تلك التقارير الميدانية والتنفيذية التي تبدو من الخارج مريحة ومطمئنة؛ حيث تكتسي بالمؤشرات الخضراء (On Track / Status: Green) التي تعكس التزاماً شكلياً بالجدول الزمني والميزانية، لكن بمجرد "شقّ" التقرير والتعمق في تفاصيله الداخلية، يتكشف اللون الأحمر القاني ليعكس أزمات حادة، تعثر تنفيذي، ومخاطر متراكمة تشارف على الانفجار.

كيف تتشكل هذه الظاهرة؟

تنشأ تقارير البطيخ غالباً في بيئات العمل التي تعاقب الصراحة وتفتقر إلى الثقافة المؤسسية القائمة على الأمان النفسي (Psychological Safety).

عندما يدرك الموظف أو مدير المشروع أن الإبلاغ المبكر عن الخلل سيُقابل باللوم أو العقاب بدلاً من الدعم وحل المشكلات، ينكفئ على نفسه، ويُفضّل الاستمرار في تقديم تقارير "تجميلية" تُرضي الإدارة العليا مرحلياً. وتستمر هذه التهدئة الزائفة حتى نصل إلى المراحل الأخيرة من المشروع، لتتكشف الأزمات دفعة واحدة ويحدث التعثر الكبير.

الواقع في بيئة الأعمال الفلسطينية:

تكتسب هذه الظاهرة أبعاداً أكثر حساسية وحرجاً داخل المؤسسات والشركات العاملة في فلسطين؛ نظرًا للظروف الاستثنائية ودرجة عدم اليقين العالية (High Uncertainty) التي تتسم بها البيئة المحلية، والتي تشمل:

 - التقلبات الجيوسياسية والأزمات التمويلية: التي تجعل الاستجابة المرنة السريعة ضرورة لا رفاهية.

 - صعوبة توفير الموارد والتوريدات: مما يجعل الاعتماد على تقارير مضللة تحجب تأخر التوريد أو تعثر الميزانيات سبباً مباشراً في انهيار مشاريع حيوية.

 - ثقافة الهرمية والتخوف من المساءلة: التي تجعل نقل الأخبار السيئة (Bad News) للإدارة أو الجهات المانحة أمراً تجنّبياً، مما يضاعف حجم الخسائر بدلاً من احتوائها في مهادها.

كيف تتجنب المؤسسات الوقوع في فخ "البطيخ"؟

 - ترسيخ ثقافة الشفافية: تحويل الثقافة التنظيمية من بيئة "البحث عن مقصر" إلى بيئة "البحث عن حلول"، بحيث يُكافأ الإفصاح المبكر عن المخاطر بدلاً من قمعها.

 - اعتماد المؤشرات القياسية الحقيقية: ألا تقتصر التقارير على نسبة الإنجاز الشكلي، بل تعتمد على مؤشرات القيمة المكتسبة (Earned Value Management) والتحليل الحقيقي للمخاطر المتوقعة.

 - الحوار المفتوح وتفعيل التدقيق المستقل: إتاحة قنوات تواصل مباشرة ومراجعات دورية تحليليّة تضمن معاينة الواقع الميداني بلا رتوش.

وختاما إن شفافية التقارير وحقيقتها حتى وإن كانت قاسية باللون الأحمر في بداية الطريق تظل أقصر الطرق لمعالجة الانحرافات وضمان استدامة المؤسسات والمشاريع ونجاحها.