اليوم الأحد ٠٩ أغسطس ٢٠٢٦م

غزة… كيف هدمت الحرب الطبقة الوسطى وأعادت توزيع الفقر؟

اليوم, ١٢:٤٩:٣٣ م
أنور عطالله

أنور محمد عطالله/ باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات 

 

لم تكن الطبقة الوسطى مجرد فئة تقع بين الأغنياء والفقراء، بل كانت إحدى ركائز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والمحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد؛ فهي تستهلك وتنتج وتستثمر، وتؤسس المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتخلق فرص العمل وتحافظ على دوران المال داخل السوق. لذلك فإن انهيارها لا يعني فقط زيادة أعداد الفقراء، بل إضعاف قدرة الاقتصاد على التعافي وتحويل المجتمع تدريجيًا من مجتمع يعتمد على العمل والدخل إلى مجتمع يعتمد بدرجة أكبر على المساعدات.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب في غزة: الحرب لم تهدم المنازل والمصانع والمزارع والأسواق فقط، بل هدمت جزءًا كبيرًا من البنية الاقتصادية التي كانت تصنع الطبقة الوسطى نفسها.

 

القطاعات الإنتاجية قبل الحرب

قبل السابع من أكتوبر، كانت الزراعة في غزة، رغم القيود ونقص الموارد، قطاعًا إنتاجيًا مهمًا، وتمكنت من تحقيق قدر من الاكتفاء في عدد من المنتجات، خصوصًا الخضروات والأسماك والدواجن والبيض، كما كانت بعض المنتجات الزراعية تصل إلى أسواق خارج القطاع.

ولم تكن الزراعة مجرد مصدر للغذاء، بل كانت تشغل سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها، من المزارعين والعمال إلى النقل والتعبئة والتخزين والتسويق.

أما الصناعة، فكانت تضم منشآت ومصانع وورشًا تعمل في الصناعات الغذائية والمطاحن والمخابز والأثاث والملابس والبلاستيك والمنتجات المعدنية ومواد البناء، وغيرها من الأنشطة التي وفرت فرص عمل وحركت قطاعات أخرى من الاقتصاد.

وكانت التجارة تمثل العمود الفقري للقطاع الخاص؛ من المستوردين وتجار الجملة إلى أصحاب المحلات والأسواق والموزعين، وكانت ترتبط بها آلاف الأسر بصورة مباشرة وغير مباشرة.

 

ثم جاء السابع من أكتوبر، فتغير المشهد بصورة جذرية.

في الزراعة، لم تعد المشكلة انخفاض الإنتاج فقط؛ فقد تعرضت الأراضي الزراعية والمنشآت والآبار وشبكات الري ومرافق التخزين والصيد لأضرار واسعة، وتعطلت القدرة على الإنتاج والوصول إلى الأسواق.

وفي الصناعة، توقفت منشآت كثيرة أو دُمرت، وانقطعت المواد الخام والطاقة وسلاسل التوريد، فتحول جزء كبير من القطاع الصناعي من مصدر للإنتاج والعمل إلى قطاع ينتظر إعادة البناء.

أما التجارة، فقد أصابها الشلل نتيجة تدمير المنشآت والأسواق والنزوح وإغلاق المعابر او السماح لعدد محدود من التجار بالتوريد لغزة ، ولم يسمح للكثير من السلع من الدخول لغزة ، مع منع استبدال النقد او ادخال  سيولة نقدية جديدة، فالأوراق النقديةباتت مهترئة فاصبحت عبء علي الاقتصاد بدل ان تكون وسيلة لتسهيل التداول . 

وهذا هو معنى انهيار الدورة الاقتصادية: عندما يتوقف المزارع يتضرر التاجر، وعندما يتوقف المصنع يفقد العامل دخله، وعندما يفقد العامل دخله ينخفض الاستهلاك، وعندما ينخفض الاستهلاك يتراجع الطلب على المزارع والمصنع والتاجر.

 

ثم تظهر البيانات حجم الكارثة

 

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كانت البطالة في قطاع غزة نحو 45% في الربع الثالث من عام 2023 قبل الحرب، ثم قفزت إلى أكثر من 74% في الربع الرابع من العام نفسه، بينما بلغت نحو 80% خلال عام 2024. كما أشار الجهاز إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في غزة انكمش بأكثر من 80% في الربع الأخير من عام 2023.

وهذه الأرقام ليست مجرد نسب؛ خلف كل نسبة أسرة فقدت راتبًا، ورب عمل فقد مشروعه، وعامل فقد وظيفته، وشاب فقد فرصة بناء مستقبله.

الحرب لم ترفع البطالة فقط… بل أعادت توزيع الفقر

أما الحرب فقد دفعت شرائح واسعة من هذه الفئات إلى أسفل السلم الاقتصادي.

التاجر الذي فقد متجره أصبح بلا تجارة، والمزارع الذي دمرت أرضه أو تعطلت قدرته على الوصول إليها أصبح بلا محصول، والموظف الذي فقد مصدر دخله أصبح أكثر اعتمادًا على مدخراته ثم على المساعدات.

بل إن الحرب دفعت بعض التجار ورجال الأعمال الذين كانوا يمتلكون أعمالهم وشركاتهم ومصانعهم إلى العيش داخل خيمة، بعد أن هُدمت منازلهم ودُمّرت منشآتهم، وأصبح بعضهم يعتاش على المساعدات التي كان في السابق قادرًا على توفيرها لنفسه ولأسرته ولغيره.

وهنا تتجسد المأساة الاقتصادية بأوضح صورها: رجل الأعمال الذي كان يشغّل العمال أصبح بلا عمل، والتاجر الذي كان يحرك السوق أصبح ينتظر المساعدة، وصاحب المصنع الذي كان ينتج ويدفع أجور العاملين أصبح هو نفسه يبحث عمن يساعده على تأمين احتياجات أسرته.

وهكذا لم تعد القضية مجرد زيادة عدد الفقراء، وإنما إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع كله؛ فقد تركزت السيولة والأموال في أيدي فئة محدودة، وبرز تجار جدد لم تكن التجارة نشاطهم الأساسي قبل الحرب، إلى جانب مبادرين يفتقر بعضهم إلى فهم الدور الحقيقي للتجارة في تحريك العجلة الاقتصادية، وتحولت السوق من منظومة إنتاج وتبادل متكاملة إلى مساحة يغلب عليها منطق البقاء وتحصيل الدخل السريع.

 

البطالة لا تستنزف الأسر فقط… بل تستنزف الاقتصاد

البطالة الواسعة تعني أن جزءًا كبيرًا من قوة العمل أصبح خارج الدورة الإنتاجية؛ وهذا يعني انخفاض الإنتاج والدخل، وانكماش الاستهلاك، وضعف الطلب على السلع والخدمات، 

الخطر الصامت… فقدان الخبرات والأيدي العاملة الماهرة

لكن الخسارة لا تتوقف عند فقدان الوظائف والدخل؛ فالحرب تهدد أيضًا رأس المال البشري الذي تحتاجه غزة بشدة في مرحلة إعادة البناء.

فعندما يتوقف المهندس عن العمل، والحرفي عن ممارسة مهنته، والفني عن استخدام خبرته، والعامل الماهر عن الإنتاج، لا يخسر الاقتصاد ساعات العمل فقط، بل يخاطر بفقدان الخبرات والمهارات المتراكمة التي تحتاج سنوات طويلة لتكوينها.

 

والأخطر… أن البطالة لها وجه نفسي واجتماعي

البطالة ليست مجرد فقدان راتب؛ فالعمل يمنح الإنسان الدخل، لكنه يمنحه أيضًا الكرامة والاستقلال والشعور بالقدرة والانتماء والهدف.

وعندما يفقد الإنسان عمله لفترة طويلة، خصوصًا إذا كان رب أسرة، تتفاقم مشاعر العجز والقلق وعدم اليقين، وتزداد الضغوط داخل الأسرة، وتتراجع القدرة على الإنفاق على التعليم والصحة والاحتياجات الأساسية، ويصبح المستقبل أكثر غموضًا أمام الشباب.

 

كما أن فقدان مصدر الدخل قد يغير طبيعة العلاقات داخل الأسرة والمجتمع، ويزيد الاعتماد على المساعدات، ويضعف الشعور بالاستقلالية والقدرة على التحكم في المستقبل.

وهنا تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى أزمة نفسية واجتماعية تهدد تماسك المجتمع نفسه.

غزة لا تحتاج إلى إعادة توزيع الفقر… بل إلى إعادة بناء الطبقة الوسطى

الحرب هدمت جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الغزي، لكنها هدمت في الوقت نفسه شيئًا أكثر عمقًا: قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على إنتاج دخلها بنفسها.

ولا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المنازل، وإنما إلى إعادة بناء المزارع والمصانع والشركات والأسواق والمدارس والجامعات ومؤسسات العمل.

ولا يكفي خفض البطالة على الورق، بل يجب إعادة الإنسان إلى سوق العمل، واستعادة مهاراته، ومنحه فرصة الإنتاج والاستقلال.

لأن الطبقة الوسطى ليست رفاهية اقتصادية، وليست مجرد شريحة بين الغني والفقير؛ إنها الطبقة التي تحمل الاقتصاد على كتفيها.

فإذا كانت الحرب قد أعادت توزيع الفقر في غزة، فإن مهمة ما بعد الحرب يجب أن تكون إعادة بناء الطبقة الوسطى… وإعادة توزيع الفرص، لا الفقر.