بقلم/ أنور محمد عطالله- باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات،
قبل السابع من أكتوبر، كانت حركة الاقتصاد في غزة، رغم القيود المفروضة على القطاع، تقوم على منظومة تجارية أكثر انتظاماً وانسيابية؛ فالمعابر كانت تعمل كقنوات أساسية لدخول السلع والمواد الخام، وكان يتدفق إلى القطاع أكثر من 800 شاحنة يومياً، تحمل المواد الغذائية والسلع التموينية واحتياجات الأسواق وقطاعات الإنتاج المختلفة. وكانت الشركات والتجار يمارسون أعمالهم ضمن مسارات تجارية معروفة، وتتحرك السلع والأموال وفق آليات السوق والعرض والطلب.
أما بعد السابع من أكتوبر، فقد بدأ هذا الاقتصاد المنظم يتفكك تدريجياً، وانتقلت غزة من اقتصاد يعتمد على التجارة والإنتاج وحركة الأموال إلى اقتصاد يعتمد بدرجة متزايدة على المساعدات الإنسانية، عينية كانت أم نقدية.
بدأ التحول مع إغلاق المعابر ونقص السلع، ثم جاء فتح معبر رفح لفترة، فتحسنت حركة البضائع وأصبحت السلع متوفرة نسبياً. لكن بعد إغلاقه وسيطرة إسرائيل على الجانب الفلسطيني منه، أصبحت المعابر الإسرائيلية المنافذ الأساسية لدخول البضائع، وهنا بدأ الضغط الحقيقي.
في البداية دخلت المساعدات، ثم سُمح لعدد محدود من التجار بإدخال البضائع، فظهرت حالة احتكار القلة؛ مجموعة محدودة تتحكم في نوعية السلع وكمياتها وأسعارها. وأصبح إدخال البضائع مرتبطاً بموافقات وما يسمى بالتنسيق وبأسعار مرتفعة، انعكست مباشرة على المستهلك.
ولم يقتصر الأمر على التحكم في الأسعار، بل امتد إلى نوعية السلع التي تدخل غزة. ففي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تعاني نقصاً في بعض السلع التموينية الأساسية، كان التجار يتحكمون في الأصناف التي يتم توريدها، حتى وصلت الحال إلى إدخال سلع أقل أهمية، مثل الكراسي البلاستيكية، بينما كانت سلع أساسية يحتاجها الناس بشدة تعاني نقصاً حاداً. وهنا يصبح السؤال ليس فقط: كم تبلغ الأسعار؟ بل أيضاً: من يقرر ماذا يدخل إلى السوق؟
ثم ظهرت مشكلة تغيير وسائل الدفع؛ فأصبح السعر نقداً مختلفاً عن السعر عبر التطبيقات أو التحويلات البنكية. ومع انتقال رواتب موظفي رام الله، وتحويلات المؤسسات، والأموال القادمة من الخارج عبر البنوك، وجد تجار العمولة فرصة لفرض رسوم مرتفعة على توفير السيولة وتحويل الأموال، وصلت في بعض الفترات إلى نحو 40%.
وهكذا توسع البيع خارج النظام وظهرت السوق السوداء وتجارة السيولة، وأصبح المواطن لا يواجه فقط ارتفاع سعر السلعة، بل تكلفة الحصول على المال الذي يشتري به السلعة.
أما اليوم، فتتراجع أسعار بعض السلع، لكن هذا لا يعني بالضرورة تعافي الاقتصاد؛ فالسبب الأساسي هو تراجع الطلب بالتزامن مع استمرار المؤسسات في توفير سلع بديلة .
ولهذا فإن المطلوب الآن تحرك حقيقي من الأمم المتحدة، والمؤسسات الدولية والإنسانية، والجهات الفلسطينية الرسمية، والقطاع الخاص، والمؤسسات الاقتصادية الدولية للضغط من أجل فتح باب الاستيراد أمام جميع الشركات والتجار ورجال الأعمال، وإنهاء احتكار القلة.
كما يجب ضمان انسياب واسع ومنظم لجميع السلع وخاصة المحروقات، وغاز الطهي، وقطع غيار السيارات، وزيوت المولدات والسيارات والتي تباع حاليا بالف دولار تقريبا ،و لأنها ليست سلعاً هامشية، بل جزء أساسي من قدرة الاقتصاد والخدمات على الاستمرار.
وفي النهاية، لا حل ولا بديل لإعادة الاقتصاد من اقتصاد منهار إلى اقتصاد منظم وتنافسي ومفتوح، إلا بفتح المعابر بصورة طبيعية كما كانت قبل السابع من اكتوبر ،وزيادة أصناف السلع الواردة إلى غزة. فاستمرار الاقتصاد في الاعتماد على المساعدات، أو على عدد محدود من المستوردين، يعني استمرار اقتصاد البقاء، لا إعادة بناء الاقتصاد.

