اليوم الأربعاء ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦م

تاريخ إسرائيل في التعامل مع الأراضي المحتلة من رؤية اقتصادية ورفاه اجتماعي

اليوم, ٨:٣١:٥٥ ص
أنور عطالله

بقلم/أنور محمد عطالله- باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة

منذ احتلال إسرائيل للأراضي المحتلة، الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، دأبت على استخدام عدة طرق للتعامل مع الشعب الفلسطيني اقتصاديًا؛ فتارةً توسّع حركة الاقتصاد، وتارةً تدخل الاقتصاد في أزمات، بما يؤثر على الرفاه الاجتماعي، في محاولة منها لجعل الفلسطيني ينشغل بظروفه الاقتصادية وينسى قضيته.

فبعد احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967، سمحت إسرائيل بدخول العمال من مختلف المناطق بسهولة للعمل داخل الخط الأخضر، وخلال العقدين الأولين سارت الأوضاع، من الناحية الشكلية، كما تريد إسرائيل. لكن اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 أدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة جديدة، ولم يعد هناك خيار سوى التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما أدى إلى قيام السلطة الفلسطينية.

ومع قدوم السلطة، قدمت إسرائيل امتيازات لرجال السلطة ورئيسها لإضعاف المفاوض الفلسطيني ومحاولة الحصول على مكاسب سياسية، لكنها صُدمت بالتعنت الفلسطيني المتمثل في الرئيس ياسر عرفات، رحمه الله. وفي عام 2000، وبعد دخول شارون إلى الحرم القدسي، اندلعت انتفاضة أخرى استمرت لسنوات طويلة.

وبعد الانقسام الفلسطيني، استخدمت إسرائيل أسلوبًا مغايرًا تمثل في الحصار وخنق الاقتصاد للتأثير على الرفاه الاجتماعي، ودفع أهل غزة إلى مراجعة خيارهم وانتخاب التيار الإسلامي. ثم بدأت بالتدرج في رفع الحصار، وعادت إلى تكرار النهج نفسه، حتى وصلت إلى إدخال الأموال القطرية تحت نظر أجهزتها الأمنية وبأوامر من المستوى السياسي، لقناعتها بأن الإغداق بالأموال وتحسين الظروف الاقتصادية يمكن أن يُنسي الفلسطيني قضيته. ووصل الأمر قبل السابع من أكتوبر إلى السماح لعشرات الآلاف من العمال من غزة بالعمل داخل الخط الأخضر.

أما بعد أن تفاجأت إسرائيل، كما تفاجأنا نحن، بالسابع من أكتوبر، فقد بدأت بالضغط الاقتصادي بصورة أكبر، وهو ما أدى بدوره إلى احتقان الشارع الغزي إلى حد ما، ليدفع الشعب ثمنًا لا يعرف ما هو. فالهدف من الحصار والتجويع وخنق الاقتصاد، من هذه الزاوية، هو جعل غزة غير قابلة للحياة بشكلها الحالي.

ولا يمكن النظر إلى غزة بمعزل عما يجري في الضفة الغربية من اعتداءات وضم للأراضي، وكذلك قيام إسرائيل بخصم أموال المقاصة ومنع عمال الضفة الغربية من العمل داخل الخط الأخضر، وهي إجراءات تؤثر مباشرة في الاقتصاد الفلسطيني والرفاه الاجتماعي، وتزيد الضغوط الاقتصادية على المواطنين والسلطة الفلسطينية.

والملفت في الأيام الأخيرة أن إسرائيل تبدو وكأنها نقلت تجربتها مع غزة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بدأ يتبع سياسة مشابهة في الضغط على طهران. فكما استخدمت إسرائيل الحصار وخنق الاقتصاد والضغط على مستوى معيشة المواطن في غزة كأدوات للتأثير في المجتمع، تتجه الولايات المتحدة اليوم إلى استخدام الضغط الاقتصادي والعقوبات وخنق مصادر الدخل والتجارة كأدوات للضغط على إيران.

وبذلك، يمكن ملاحظة تشابه واضح بين طريقة إدارة إسرائيل للضغط على غزة والسياسة التي تتبعها إدارة ترامب تجاه إيران، بما يشير إلى أن الاقتصاد أصبح أداة أساسية في إدارة الصراعات، وليس مجرد وسيلة لمعاقبة الحكومات.

وخلف ذلك المشهد، وعند التمعن في الصورة، يمكن القول إن الولايات المتحدة تميل إلى دعم ما تفعله إسرائيل تجاه القضية والشعب الفلسطيني، وهو ما يجعل الموقف الأمريكي عاملًا مهمًا في استمرار هذا النهج.

إن ما يجري الآن يستدعي التنظيمات والفصائل الفلسطينية إلى التوافق فورًا، والعمل على استمالة دول مؤثرة خلال الفترة القادمة، وإلا قد يؤدي استمرار الانقسام والتأخر في التحرك إلى مزيد من تهميش القضية الفلسطينية. وبالنظر إلى سلوك القيادات الفلسطينية، فإنهم دائمًا يدركون ذلك متأخرًا، بينما يستمر الانقسام وتتبدد الجهود في المناكفات والخلافات الداخلية، وتضيع فرص كان يمكن استثمارها سياسيًا ودبلوماسيًا، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى توحيد الموقف وترتيب الأولويات والتحرك قبل أن تصبح تكلفة التأخر أكبر من القدرة على معالجتها.