اليوم الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦م

بنك إسرائيل وقرار الفائدة.. خفض ممكن لكن المخاطر السياسية والمالية تؤجل الخطوة

أمس, ٤:١٣:٠٠ م
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

قبل أسابيع قليلة، بدا مسار الفائدة في إسرائيل واضحًا نسبيًا. التضخم تراجع، الشيكل توقف عن موجة تراجع سابقة، علاوة المخاطر انخفضت، والاقتصاد أظهر قدرة على التعافي من آثار الحرب دون موجة ضغوط سعرية حادة.

لكن قبيل قرار الفائدة المرتقب لبنك إسرائيل، باتت الصورة أقل حسمًا، وفق تحليل نشره موقع "كالكاليست" العبري. فالمؤشرات الاقتصادية تمنح البنك المركزي مساحة لمواصلة خفض الفائدة، إلا أن الواقع السياسي والمالي للحكومة يدفع باتجاه التريث.

وكان بنك إسرائيل خفض الفائدة 4 مرات، من 4.5% إلى 3.5%. وبعد هذه التخفيضات، تحول السؤال في السوق من أصل الخفض إلى سرعته، وما إذا كان البنك سيواصل الطريق نحو مستوى 3%.

الحجة الأقوى لصالح خفض الفائدة تبدأ من التضخم. فمؤشر تموز خفّض معدل التضخم السنوي في إسرائيل إلى 1.5% فقط. كما بقيت توقعات التضخم منخفضة؛ إذ تدور التوقعات المستخلصة من سوق رأس المال حول 1.4% سنويًا، بينما تشير تقديرات المحللين وعقود التضخم وأسعار الفائدة الداخلية إلى نطاق بين 1.7% و2%.

وهذا يعني، وفق قراءة "كالكاليست"، أن التضخم الحالي منخفض، وأن السوق لا يرى خطرًا جديًا بعودة انفجار الأسعار في المدى القريب.

ومع انخفاض التضخم، تبدو الفائدة الحقيقية في إسرائيل مرتفعة مقارنة بدول متقدمة أخرى. فعندما تكون الفائدة الاسمية عند 3.5% والتضخم عند 1.5%، فإن الفائدة الحقيقية تقترب من 2%. وبذلك تبقى السياسة النقدية مقيدة للنشاط الاقتصادي، حتى لو لم يرفع البنك الفائدة. فكلما انخفض التضخم وبقيت الفائدة دون تغيير، تصبح شروط التمويل أكثر تشددًا فعليًا.

العامل الآخر الذي يساعد بنك إسرائيل هو الشيكل. فرغم أن العملة الإسرائيلية تعززت منذ القرار السابق، فإنها ما زالت تدور حول 3 شواكل للدولار. والشيكل القوي يساعد على خفض كلفة الواردات، ويحد من ارتفاع أسعار السلع القابلة للتداول.

لكن مقابل هذه الحجج، تظهر أسباب قوية للتوقف وعدم التسرع في الخفض. أول هذه الأسباب أن النشاط الاقتصادي في إسرائيل لا يبدو في حالة ضعف تستدعي خفضًا عاجلًا للفائدة. فقد قفز الناتج المحلي في الربع الثاني بأكثر من 15% على أساس سنوي، أو ما يقارب 4% على أساس فصلي.

صحيح أن جزءًا كبيرًا من هذه القفزة يعكس تعويضًا بعد ربع ضعيف تأثر بالحرب، وأن جزءًا من النمو لا يُنتج بالكامل داخل حدود إسرائيل، إلا أن النتيجة جاءت أعلى بكثير من التوقعات.

كما أن سوق العمل ما زال ضيقًا. فالبطالة تدور حول 3%، وهو مستوى يعد قريبًا من البطالة الهيكلية، في حين لا يزال عدد الوظائف الشاغرة مرتفعًا، وتستمر الأجور في الارتفاع بوتيرة سريعة. كذلك لم تختف الضغوط في قطاعات الخدمات المحلية، وعلى رأسها الإيجارات.

وهذا يمنح بنك إسرائيل القدرة على الانتظار. فالسياسة النقدية لا تؤثر فورًا في الاقتصاد، بل تحتاج وقتًا حتى تظهر آثارها في الائتمان والاستهلاك وسوق السكن وسعر الصرف والتضخم.

المتغير الأهم هذه المرة لا يأتي من السياسة النقدية نفسها، بل من السياسة المالية للحكومة. ظاهريًا، تبدو الأرقام جيدة. فقد انخفض عجز الموازنة في آخر 12 شهرًا حتى تموز إلى 3.3% من الناتج المحلي، بعيدًا عن السقف البالغ 4.9% المحدد في كتاب الموازنة.

وجاء هذا التحسن مدفوعًا بمفاجأة كبيرة في الإيرادات. فمنذ بداية العام، ارتفعت إيرادات الدولة في إسرائيل بنسبة 12% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما دفع كبير الاقتصاديين في وزارة المالية إلى تحديث توقعات الإيرادات أكثر من مرة.

عادة، يعطي تحسن العجز المالي للبنك المركزي مساحة أكبر لخفض الفائدة، لأن خفض الفائدة يصبح أكثر خطورة عندما يتزامن مع توسع مالي حكومي واسع، خصوصًا في اقتصاد يعيش حالة حرب

لكن "كالكاليست" يشير إلى أن هذه الأرقام قد تكون مضللة. فالمشكلة لا تكمن في العجز الحالي فقط، بل في مسار الإنفاق القادم. نفقات الحكومة لا تتراجع، والإنفاق الأمني تحديدًا مرشح للارتفاع بسرعة.

وتشير التقديرات إلى أن ميزانية الأمن لعام 2026 تضخمت بالفعل بصورة كبيرة، فيما تبحث الحكومة زيادة إضافية قد تصل إلى 25 مليار شيكل، لترتفع الميزانية الأمنية إلى 183 مليار شيكل.

وبحسب حسابات بنك إسرائيل، فإن سيناريو كهذا قد يرفع العجز من نحو 4.9% إلى 5.5% من الناتج المحلي، ويضيف نحو 0.3 نقطة مئوية إلى التضخم خلال العام المقبل. وهذا رقم لا يمكن للجنة النقدية تجاهله عند اتخاذ قرار الفائدة.

هنا تظهر المفارقة الأساسية: بيانات الموازنة الحالية تدعم خفض الفائدة، لكن اتجاه السياسة المالية في المستقبل يدعم الانتظار. من ينظر إلى العجز الحالي سيرى تحسنًا واضحًا، أما من ينظر إلى الالتزامات المقبلة فسيرى خطرًا. وبنك إسرائيل، في النهاية، يدير المخاطر ولا يتعامل مع أرقام شهر واحد فقط.

ولا تتعلق المسألة بحجم الإنفاق الأمني وحده، بل بنوعه أيضًا. فالإنفاق على مشتريات تتم في الخارج يؤثر بدرجة أقل على الطلب المحلي. أما الإنفاق على الأجور، والاحتياط، والمشتريات من الصناعات الإسرائيلية، والخدمات المحلية، فيزيد الطلب داخل الاقتصاد في وقت يواجه فيه السوق قيودًا في العرض والعمالة.

ويزداد الأثر التضخمي عندما تقترن زيادة الإنفاق بتوسيع استدعاء الاحتياط، لأن ذلك يسحب عمالًا من القطاع الخاص، فيحدث ضغط مزدوج: الحكومة تزيد الطلب من جهة، وتقلص عرض العمالة في القطاع الخاص من جهة أخرى.

لكن العامل السياسي لا يقل أهمية. فكلما اقتربت الانتخابات، زادت حالة عدم اليقين بشأن موازنة 2027، وحجم ميزانية الأمن، والتزامات الحكومة المقبلة، وحتى استقلالية البنك المركزي. كما أن الشيكل، رغم قوته الحالية، قد يتفاعل سريعًا مع أي تغير سياسي أو أمني أو مالي.

لهذا، فإن التوقف الآن عن خفض الفائدة لا يعني بالضرورة تغييرًا في الاتجاه، بل قد يكون تكتيكًا لشراء الوقت وجمع مزيد من المعلومات. فبعد خفض تراكمي بمقدار نقطة مئوية كاملة، يستطيع بنك إسرائيل أن ينتظر ليرى كيف انتقلت التخفيضات السابقة إلى القروض، والاستهلاك، وسوق العقارات، وسعر الصرف، والتضخم.

وبلغة أبسط، تكلفة الانتظار بضعة أسابيع تبدو منخفضة، بينما قيمة المعلومات التي سيحصل عليها البنك خلال هذه الفترة قد تكون عالية.

وتخلص قراءة "كالكاليست" إلى أن بيانات اليوم تسمح بخفض الفائدة وربما تبرره، لكن مخاطر الغد تدعو إلى الحذر. لذلك، لا يواجه محافظ بنك إسرائيل أمير يارون وزملاؤه سؤالًا اقتصاديًا فقط، بل سؤال توقيت أيضًا: هل يخفضون الفائدة الآن، أم ينتظرون لتجنب خفض قريب جدًا من موعد انتخابي حساس قد يفتح الباب أمام تفسيرات سياسية؟

بالنسبة للسوق الفلسطينية، لا يعد قرار الفائدة في إسرائيل شأنًا خارجيًا بعيدًا. فالشيكل هو عملة التداول اليومية الأساسية في فلسطين، وأي قرار يؤثر في قوته أمام الدولار والدينار واليورو ينعكس على الأسعار، والقروض، والادخار، والقدرة الشرائية. لذلك، فإن مسار الفائدة الإسرائيلية يبقى عاملًا مباشرًا في قراءة حركة السوق المحلية، خصوصًا في ظل ارتباط قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي الفلسطيني بالشيكل وبالتجارة مع إسرائيل.