بقلم/ أنور محمد عطالله- باحث دكتوراه إدارة مخاطر وأزمات – جامعة القاهرة
كيف سقطت أسعار الصرف من الحسابات، وتحولت إلى سؤال: كيف نوفر بعض الاحتياجات؟
كانت شاشات أسعار الصرف تتصدر واجهات محال الصرافة ومكاتب الصرافين في قطاع غزة، ويتجمع حولها المواطن والتاجر والمستورد لمتابعة حركة الشيكل والدولار والدينار؛ فالمواطن يبحث عن حماية قوته الشرائية، والتاجر يراقب السوق، والمستورد يحسب تكلفة بضاعته قبل وصولها. كان سعر الصرف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، نبني عليه حسابات البيع والشراء والاستيراد والادخار. كان الدولار يعني تكلفة شحنة، والشيكل يعني قدرة شرائية، والذهب يمثل في كثير من البيوت ملاذًا آمنًا ووسادة أمان للمستقبل.
كان الاقتصاد يومها يمنح الناس مساحة للتفكير في الغد؛ نتابع سعر الدولار، نقارن الأسعار، نخطط للشراء، ونحسب تكلفة التجارة والاستيراد. لم يكن أحد يتخيل أن يأتي يوم يصبح فيه السؤال عن سعر العملة أقل أهمية من السؤال عن وجود السلعة نفسها، والقدرة على الوصول إليها.
لكن الحرب لم ترفع الأسعار أو تعطل التجارة فقط؛ بل أحدثت تحولًا بنيويًا في السلوك المالي والاقتصادي للمجتمع. فبعد أن كان السؤال: كم يساوي الدولار اليوم؟ أصبح السؤال: كيف نحصل على النقد أصلًا؟
مع تضرر الجهاز المصرفي وشح السيولة وتعطل جانب واسع من حركة الصرافة والتجارة، أصبح الوصول إلى النقد نفسه مكلفًا. ولم يعد الرصيد البنكي يعني بالضرورة القدرة على شراء الاحتياجات، لأن تحويل المال الرقمي إلى نقد أصبح له ثمن. ثم حدث العكس، وهذه هي مفارقة غزة التي تحمل الظاهرة وعكسها تمامًا. فلم يعد المواطن منشغلًا بفارق محدود في سعر الصرف، بينما تقفز أسعار الغذاء والماء والدواء والمأوى بصورة تفوق قدرته على الاحتمال.
وهنا تغيرت قواعد السوق؛ فقد تقلصت التجارة والاستيراد، وانكمشت حركة السلع، وأصبحت الندرة والحاجة والقدرة على الوصول إلى المنتج عوامل أكثر تأثيرًا في تحديد الأسعار من حركة العملة وحدها. المستورد الذي كان يحسب الدولار والشحن والنقل والتخليص، أصبح يسأل أولًا: هل تصل البضاعة؟ وهل أستطيع تأمين احتياجات أسرتي؟ والتاجر الذي كان يخطط للموسم والربح ورأس المال، أصبح يفكر في كيفية الاستمرار يومًا آخر.
ولم يتوقف أثر هذا التحول عند السوق. فحين تتحول المدخرات من وسيلة لبناء المستقبل إلى مورد يُستهلك لتأمين الحاضر، تتغير حياة الإنسان من الداخل أيضًا. الأسرة التي كانت تخطط لتعليم أبنائها أو الزواج أو شراء منزل، أصبحت تخطط للوجبة التالية، وعبوة المياه، والدواء، ومكان للنوم.
وهنا يصبح هرم ماسلو للاحتياجات أكثر وضوحًا؛ فقد تراجع الإنسان من التفكير في الأمان المالي والاستقرار وتحقيق الذات والتخطيط للمستقبل، إلى قاعدة الهرم: الغذاء، الماء، المأوى، والدواء. لم يعد التراكم الرأسمالي هدفًا، بل أصبح استهلاك ما تبقى من رأس المال جزءًا من معركة النجاة.
حتى الذهب، الذي ظل لسنوات آخر خط دفاع مالي في كثير من البيوت، دخل هذه المعادلة القاسية. مصوغات ارتبطت بالزواج والمهر وذكريات الأمهات والجدات، خرجت إلى الأسواق تحت ضغط الحاجة؛ ذهبٌ ادخر للمستقبل أصبح ثمنًا لتأمين الحاضر. وهنا تتحول الخسارة المالية إلى شعور أعمق بفقدان الأمان.
ومن هنا يمكن فهم التحول النفسي؛ فالإنسان الذي استهلك مدخراته، وفقد مصدر دخله، ولم يعد يعرف أين سيكون غدًا، تتغير علاقته بالمستقبل. يصبح التخطيط الطويل رفاهية، ويصبح المال الذي كان يمنحه شعورًا بالأمان مجرد وسيلة لعبور اليوم.
ولهذا لم تعد قيمة المال تقاس دائمًا بما يساويه في الحساب أو السوق، بل بما يستطيع صاحبه الوصول إليه الآن. فحين يفقد المال قدرته على ضمان الغد، يبدأ الإنسان في التفكير بمنطق اليوم.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن غزة التي كان مواطنها يتابع الدولار والدينار والشيكل، والمستورد ينتظر شحنته، والتاجر يخطط لموسمه، والموظف يفكر في راتبه ومدخراته، أصبحت اليوم تقيس اقتصادها بما هو متاح بين الأيدي.
لقد تغيّر السؤال من: كيف نحافظ على قيمة أموالنا؟ إلى: كيف نحافظ على حياتنا؟
والأخطر أن آثار هذا التحول ستتجاوز زمن الحرب؛ فأسرة استهلكت مدخراتها لن تبدأ من النقطة التي كانت عليها، وتاجر فقد رأس ماله يحتاج إلى سنوات ليستعيد نشاطه، ومستورد تعطلت تجارته يحتاج إلى رأس مال وشبكات جديدة، وشاب فقد عمله قد يحتاج وقتًا طويلًا لاستعادة مساره الاقتصادي.
وربما هنا تكمن أقسى صورة للتحول:
كان المواطن يسأل عن سعر الدولار كي يحافظ على قيمة ما يملك، واليوم يسأل كيف يحصل على ما يحتاج لاستعادة الحياة.

