بقلم/ د. محمد سالم أبو يوسف- باحث أكاديمي وخبير مالي
في عالم السياسة الحديث، تتزاحم النظريات حول "الديمقراطية الحزبية" و"التداول السلمي للسلطة"، لكن المشهد الحزبي العربي استطاع أن يطور نظريته الخاصة التي أثبتت كفاءة مذهلة في الحفاظ على المكتسبات الشخصية للسياسين المخضرمين وهي "نظرية الكومبارس الحزبي".
المسؤول الكومبارس في الحزب أو التنظيم ليس مجرد مناضل صعد في السلم التنظيمي؛ بالعكس إنه "فكرة"، "تحفة هندسية" صُممت خصيصاً للتربع على رئاسة اللجان لمسح الجوخ وممارسة كامل الصلاحيات المتمثلة في الهز بالرأس، والتوقيع على ما هو مقر في الغرف المغلقة، وعرض ابتسامة البروتوكول في المؤتمرات الصحفية أمام الكاميرات!
الميزة التنافسية لهذا النموذج من وجهة نظر قيادة اللهو الخفي تكمن في الحفاظ على المطاطية التنظيمية؛ فهو لا يملك "لا" ليرفض بها توجهات الحرس القديم، ولا يملك "نعم" ليلتزم بها أمام القواعد الشبانية، وجوابه الدائم في مواجهة أي أزمة سياسية أو مطالبة بالتغيير ... لا داعي للقلق فالموضوع قيد الدراسة من قِبَل القيادة وسنرفعه للمرجعيات العليا ولمن لا يعرف فالمرجعيات العليا هو ذلك الممر الخفي الذي يُصنع فيه القرار الحقيقي بعيداً عن عين الكومبارس ولطفه وتقديراته.
يلعب المسؤول الكومبارس دوره في مسلسل الحياة السياسية بكل احترافية حافظاً لسيناريو المهام بدقة؛ حيث يمر عليه طابور من المعاملات اليومية فيوقع بحبر أحمر ويؤشر بقلم عريض كي يبدو الأمر مهيباً دون أن يدري أو يدرك أهمية ما يوقع عليه! ويجلس في صدر المنصة خلال المؤتمرات العامة يهز رأسه مع كل كلمة ويختم كلمته بالجملة الخالدة: "كلام ممتاز سنعمل على صياغته وفق رؤية التنظيم ونرفعه للقيادة".
وهنا تظهر عبقرية الاستعانة به؛ فعندما يواجه الحزب أو التنظيم أي معظلة أو تتراجع جماهيريته في الشارع يبدأ البحث عن كبش فداء ويُستدعى المسؤول الكومبارس ليكون "الواجهة" التي تمتص الغضب ويتحمل مسؤولية الفشل بينما يجلس المخرج الحقيقي للعبة السياسية خلف الستار يرتشف قهوته بهدوء ويعد الكومبارس القادم.
السر الكامن في عشق الأحزاب لهذا النموذج ببساطة هو ضمان الولاء والحفاظ على حالة السكون الشامل؛ فالقيادي الفعلي وصاحب الرؤية والقرار والجمهور قد يثير المشاكل وقد يخل بالتوازنات وقد يطالب بالديمقراطية الحقيقيةأو يتجرأ على اقتراح تعديل اللوائح الأساسية للحزب والتنظيم.
أما "المسؤول الكومبارس" فهو الخيار الآمن تماماً؛ لا يهش ولا ينش فقط يملأ الشاغر في الهيكل التنظيمي ويرضي الجميع .. ومراكز القوة مرتاحة لأن القرار بيدها والقواعد مرتاحة لأن أحداً لن يزعجهم بالتغيير أو الحراك الفعلي!

