اليوم الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦م

الاتحاد الأوروبي يعتزم فرض ضرائب جديدة على الشركات

اليوم, ١٠:٣١:٤٣ ص
الاتحاد الأوروبي

غزة/ الاقتصادية

يكثف رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا تحركاته للتوصل إلى اتفاق بشأن مصادر إيرادات جديدة لتمويل الميزانية طويلة الأجل المقبلة للاتحاد الأوروبي، بعدما أخفقت القمة الأوروبية الأخيرة في تجاوز الخلافات بين القادة بشأن حجم الإنفاق والمساهمات المالية المطلوبة من الدول الأعضاء.

ومع إحجام الحكومات الوطنية عن زيادة مساهماتها في الميزانية المشتركة، تتجه الأنظار إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة تتيح للاتحاد جمع إيرادات مباشرة، تشمل الشركات الكبرى والخدمات الرقمية والتبغ وانبعاثات الكربون والقمار عبر الإنترنت والأصول المشفرة.

وقال كوستا، في مؤتمر صحفي عقب القمة الأوروبية الأسبوع الماضي، إن التوصل إلى اتفاق يتطلب إبقاء المساهمات الوطنية عند مستويات معقولة، مع الحفاظ على التمويل اللازم لتنفيذ الأولويات المشتركة، مؤكدا ضرورة تكثيف العمل على ما يُعرف بـ"الموارد الذاتية الجديدة".

وتشير هذه الموارد إلى الإيرادات التي يحصل عليها الاتحاد الأوروبي مباشرة لتمويل ميزانيته، بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على مساهمات الدول الأعضاء. ومن المقرر أن تدخل الميزانية طويلة الأجل الجديدة حيز التنفيذ في كانون الثاني 2028، ما يضع المفاوضات الحالية أمام جدول زمني ضاغط.

وخلال جولاته واتصالاته مع العواصم الأوروبية، شدد كوستا على أن الإيرادات المشتركة قد تشكل مخرجا من المعضلة التي تواجه الحكومات بين ضغوط ميزانياتها الوطنية واتساع التزامات الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، طرحت إيرلندا تسوية تتضمن ثلاثة معايير لتقييم الموارد الذاتية الجديدة: الحصول على موافقة الدول الأعضاء، وتوفير إيرادات كبيرة، والاستعداد للتطبيق بحلول الأول من كانون الثاني 2028.

لكن المقترح واجه انتقادات من أطراف عدة، بينها البرلمان الأوروبي، الذي يرى أن فرض ضرائب على الخدمات الرقمية والقمار عبر الإنترنت والأصول المشفرة يمكن أن يدر إيرادات تصل إلى 25 مليار يورو سنويا.

وقالت النائبة الأوروبية دانوشي نيرودوفا، المنتمية إلى حزب الشعب الأوروبي، إن الرئاسة لم تتخذ قرارا بشأن جانب الإيرادات واكتفت بتعديلات محدودة، معربة عن خيبة أملها لعدم أخذ مقترحات البرلمان في الاعتبار رغم تلقي بعضها ردود فعل إيجابية من دول أعضاء.

 

ضريبة على الشركات الكبرى تثير الجدل

وأبقت التسوية الإيرلندية على مقترح "مورد الشركات لأوروبا"، الذي يُعد من أكثر الخيارات إثارة للخلاف بين الدول الأعضاء، إذ ترى حكومات أن فرض أعباء إضافية على الشركات قد يتعارض مع مساعي الاتحاد لتعزيز التنافسية الاقتصادية.

في المقابل، تدافع المفوضية الأوروبية عن المقترح، موضحة أنه سيقتصر على الشركات الكبرى التي يتجاوز صافي رقم أعمالها السنوي 100 مليون يورو، وأن المساهمة المفروضة ستكون في العادة أقل من المكافآت التي يحصل عليها كبار مسؤولي تلك الشركات.

وتدرس المفوضية أيضا إمكانية الجمع بين هذا المورد وفرض رسوم رقمية جديدة، في خطوة قد تثير خلافا مع الولايات المتحدة، نظراً إلى أن عددا كبيرا من كبرى شركات التكنولوجيا العالمية أميركي.

وتقوم إحدى الأفكار المطروحة على تحديد حد مرتفع للإيرادات الخاضعة للضريبة، بما يركز العبء على الشركات الأجنبية الكبرى، سواء كانت أميركية أو آسيوية، من دون استهداف قطاع اقتصادي بعينه.

وتشمل الخيارات المطروحة تحويل 30% من عائدات نظام تجارة الانبعاثات الأوروبي، الذي يفرض تكاليف على كبار الملوثين مقابل انبعاثاتهم الكربونية، إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي.

لكن هذا المقترح يواجه معارضة بولندية قوية، في ظل حساسية الملف داخلياً واقتراب الانتخابات المقررة العام المقبل، ما قد يجعل موافقة وارسو أكثر صعوبة.

كما تتضمن التسوية الإيرلندية مقترحا لرسوم التبغ (TEDOR)، يقضي بتحويل ما يعادل 15% من الرسوم الانتقائية التي تفرضها الدول الأعضاء على منتجات التبغ إلى الاتحاد الأوروبي.

وتخشى حكومات أن يؤدي هذا الترتيب إلى توسيع السوق السوداء وتراجع جودة المنتجات المتداولة، فيما تعارض لوكسمبورغ المقترح بشدة، رغم أنها من الدول التي نادراً ما تعترض على مبادرات المفوضية المتعلقة بالميزانية.

في المقابل، تحظى بعض المقترحات بقبول أوسع نسبيا، وفي مقدمتها تخصيص إيرادات إضافية من آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، التي تفرض تكلفة كربونية على واردات محددة، مثل الفولاذ والأسمنت، بهدف تقليل الفوارق بين المنتجين داخل الاتحاد الأوروبي ونظرائهم الأجانب.

كما لا يواجه المقترح المتعلق بفرض رسم يستند إلى كمية النفايات الإلكترونية التي ينتجها كل بلد اعتراضات كبيرة، إذ تتركز النقاشات بشأنه على الجوانب التقنية المتعلقة بالتطبيق والاحتساب.

في المقابل، تواجه فكرة فرض ضريبة على القمار عبر الإنترنت معارضة قوية من مالطا، التي تستضيف عددا كبيرا من شركات المراهنات العاملة في الاتحاد الأوروبي.

أما الضريبة المقترحة على أرباح رأس المال الناتجة عن الأصول المشفرة، فتثير تساؤلات بشأن صعوبة تطبيقها وعدم استقرار إيراداتها بسبب التقلبات الحادة في الأسواق.

وطرحت اليونان، من جانبها، فكرة تنسيق مزادات الطيف الترددي لتكنولوجيا الجيل السادس (6G) بين الدول الأعضاء، بهدف تخصيص جزء من عائداتها للميزانية الأوروبية. غير أن هذا المقترح يصطدم بتحفظات الدول التي تتمسك بإدارة موارد الطيف الترددي باعتبارها مصدرا مهما للإيرادات الوطنية.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي مطلع على الملف، تحدث إلى "يورونيوز" شريطة عدم الكشف عن هويته، إن المرحلة الحالية تتطلب تقييم المقترحات المطروحة وتحديد المسار الأنسب للمضي قدما، مؤكدا أن أيا من الخيارات لا يزال مستبعدا بصورة نهائية.

وأضاف أن أي تسوية ستحتاج إلى تعديل نظام الموارد الذاتية بما يضمن توزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة بين الدول الأعضاء.

وتكشف هذه المفاوضات عن معادلة صعبة تواجه الاتحاد الأوروبي: تمويل أولوياته المتزايدة من دون تحميل الحكومات الوطنية أعباء إضافية كبيرة، مع تجنب الإضرار بالتنافسية الاقتصادية أو إثارة خلافات سياسية وتجارية جديدة.

ومع اقتراب موعد بدء الميزانية طويلة الأجل في عام 2028، سيكون على كوستا والمفوضية الأوروبية تضييق هوة الخلافات بشأن الضرائب المقترحة، والتوصل إلى صيغة تحظى بقبول الدول الأعضاء وتوفر إيرادات كافية لتمويل الالتزامات المشتركة.